من حسن اسلام المرء تركه ما لا يعنيه من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه الشيخ: أسامة بن عبد الله الخياط لقد أرشَدَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-وهو الحريصُ على كلِّ خير لأمّته الرءوف الرحيم بها، أرشد إلى أدبٍ جامع وخَصلة شريفة وخلَّة محمودة وخُلُق كريم يحسُن به إسلام المرء، ويبلُغ به الغايةَ من رضوان الله، وذلك ما جاء في الحديث الذي أخرجه الترمذيّ وابن ماجَه في سننهما وابن حبانَ في صحيحه بإسنادٍ حسن عن أبي هريرةَ -رضي الله عنه-عن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-أنه قال: (مِن حُسن إسلامِ المرء تركُه ما لا يعنيه). وهذا الحديثُ ـ كما قال الإمام الحافظُ ابن عبد البر رحمه الله ـ مِنَ الكلام الجامِع للمعاني الكثيرةِ الجليلة في الألفاظِ القلِيلة، وهو مما لم يقُله أحد قبلَه -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنَّ مَن حسُن إسلامه ترَك ما لا يعنيه من الأقوالِ والأعمال، إذِ الإسلامُ يقتضي فعلَ الواجبات وتركَ المحرمات، وإذا حسُن الإسلام استَلزَم ذلك تركَ ما لا يَعني من المحرَّمات والمشتبِهات، والمكروهات، وفضولِ المباحات وهي القدرُ الزائد على الحاجةِ، فإنَّ هذا كلَّه لا يَعني المسلمَ إذا كمُل إسلامه وبَلغَ درجةَ الإحسان الذي أوضَحَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-حقيقتَه في حديث عمرَ بنِ الخطاب -رضي الله عنه-في سؤال جبريلَ عليه السلام عن الإسلام والإيمان والإحسان، فقال: (أن تعبدَ الله كأنّك تراه، فإن لم تكُن تراه فإنّه يراك) أخرجه مسلم وغيره، ومَن عبَد الله على استحضار قُربِه من ربِّه أو قربِ ربّه منه فقد حسُن إسلامه، ولزِم من ذلِك أن يترك كلَّ ما [لا] يعنِيه في الإسلامِ، واشتَغَل بما يعنيه من صحّةِ اعتقادٍ وكمال إيمان وصلاحِ عملٍ، وطَلَب ما هو من ضروراتِ معاشه التي لا قيامَ لحياته بدونِه مِن ألوانِ المباحات، وعلى العكسِ مِن ذلك من أضاعَ نفائسَ الأوقات فيما لم تُخلَق له باشتِغاله بما لا يَعنيه، فانصَرَف به عمّا ينفعه ويرتفِع بمقامِه ويبلُغ به صحيحَ الغايات وشريفَ المقاصد وكريمَ المنازِل، فخسِر هنالك خسرانًا مبينًا. وإنَّ من اشتغال المرءِ بما لا يَعنيه: * تعلّمَ ما لا يهمّ من العلومِ وتَركَ الأهمِّ منها مما فيه صلاحُ قلبه، وتزكيةُ نفسه، ونفعُ إخوانه، ورَفعُ شأن وطنِه وأمّته. * ومنه أيضًا عدَمُ حِفظ اللسان عن لغوِ الكلام، وعن تتبُّع ما لا يهمّ ولا ينفَع تتبُّعه من أخبار الناسِ وأحوالهم، وأموالهم، ومِقدارِ إِنفاقهم وادِّخارهم، ومن إحصاءِ ذلك عليهم، والتنقيبِ عن أقوالهم وأعمالهم داخلَ دورهم وبين أهليهِم وأولادهم، بغَير غرضٍ شرعيّ سِوى الكشفِ عمّا لا يعني من خاصِّ أمورهم وخفيِّ أمورهم. * ومن ذلكَ أيضًا تكلُّمُ المرء فيما لا يحسِنه ولا يتقنه ممّا لم يعرَف له تخصّصٌ فيه ولا سابِق إلمامٍ أو خِبرة به، ولم يكن مطلوبًا منه التحدُّث أو إبداء الرأيِ فيه، وما ذلك إلاّ لطلبِ التسلِّي وإزجاءِ الوقتِ وإضاعتِه، وتصدُّرِ المجالس وصرفِ الأنظار إليه، وقد يخرُج به ذلك إلى الخوضِ فيما لا يجوز الخوضُ فيه من أحاديث الفواحشِ، والشّهوات، ووصفِ العورات، وقذفِ المحصَنات المؤمناتِ الغافلات، ونشرِ قالَةِ السوءِ، وبَثِّ الشائعاتِ والأكاذيب والأخبارِ المفتَريَات، وقد يجتَمع إلى ذلك وَلعٌ بما يسمَّى بالتّحليلات والتوقُّعات المبنيَّةِ في غالبها على الظنونِ والأوهام، وكلّ ذلك ممّا لا يصحّ تتبُّعه ولا الخوض فيه ولا الاستِنادُ إليه ولا الاغتِرار به ولا العمَلُ بمقتضاه. ومما يعين على تركِ المرء ما لا يَعنيه تذكّرَ أنَّ الواجباتِ أكثرُ من الأوقات، وأنَّ العمرَ قصير كما أخبر بذلك رسول الهدَى -صلى الله عليه وسلم-في الحديثِ الذي أخرجَه الترمذيّ وابن ماجه في سننِهما، والحاكم في مستدركه بإسنادٍ صحيح عن أبي هريرةَ وأنسٍ -رضي الله عنهما- عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-أنه قال: (أعمارُ أمّتي ما بين السّتِّين إلى السّبعين، وأقلُّهم من يجوز ذلك) فمِثل هذا العُمر الذي لا يكاد يتَّسِع لما يلزَم ويجِب ـ كما قال بعض أهل العلم ـ أفيَتَّسع للفضول وما لا يعني؟! والمرءُ أيضًا مسئولٌ عن عمُره: فيم أفناه؟ كما جاء في الحديث الذي أخرجَه الترمذيّ في جامعه بإسناد صحيحٍ عن أبي برزَةَ الأسلميّ -رضي الله عنه-أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تزول قدَما عبدٍ يومَ القيامة حتى يسألَ عن عمره: فيمَ أفناه؟ وعن عِلمِه: ما فعل فيه؟ وعن مالِه: من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وعن جِسمه: فيم أبلاه؟). ومَا يلفِظ الإنسان من قولٍ إلاّ وهو مسطَّر في صحائِفِه مجزيٌّ به؛ ليعلَمَ أنّ للكلمة مسؤوليةً وتَبِعَة كما قال عزّ من قائل: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:16-18]. وظاهِرُ الآيةِ ـ كما قالَ العلاّمة الحافظ ابن كثير رحمه الله ـ أنّ الملَكَ يكتب كلَّ شيءٍ من الكلام، ويؤيِّده عمومُ قوله سبحانه: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ}؛ إذ هو شاملٌ لكلِّ قول. وقد أخرَج مالك في الموطّأ وأحمدُ في مسندِه والترمذيّ والنسائيّ وابن ماجه في سننهم بإسنادٍ صحيح عن علقمةَ الليثيّ عن بلال بن الحارث -رضي الله عنه-أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إنّ الرجلَ ليتكلّم بالكلمةِ من رضوان الله تعالى، ما يظنُّ أن تبلغَ ما بلغت، يَكتب الله بها رضوانَه إلى يوم يلقاه. وإنّ الرجلَ ليتكلَّم بالكلمةِ مِن سخَط الله تعالى، ما يظنّ أن تبلغَ ما بلَغَت، يكتُب الله عليه بها سخَطَه إلى يوم يلقَاه)، فكان علقمةُ الليثيّ يقول: "كم من كلامٍ قد منَعَنِيه حديثُ بلال بن الحارث"، أي: هذا الحديثُ وما فيهِ من الوعيدِ. أمّا حبُّ التصدُّر وصرفِ الأنظار فهو مقصودٌ مذموم وخَصلَة مرذولة، لا يجتَني من بُلِي بها سوى المقتِ مِن الله ومِن الذين آمنوا. فاتقوا الله عبادَ الله، واعملوا على الاقتداء بالصّفوة من عبادِ الرحمن في ترك ما لا يَعني من الأقوال والأعمال؛ تكونوا مِن المفلحين الفائزين في جناتِ النعيم، {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [الزمر:18]. منقول للافاده
|