الذي رآني فقد رأى الآب !!! د. منقذ بن محمود السقار ومن أهم ما يستدل به النصارى على ألوهية المسيح قول المسيح: «الذي رآني فقد رأى الآب» يوحنا 14/9) ولفهم النص نعود إلى سياقه، فالسياق من أوله يخبر عن أن المسيح قال لتلاميذه: «أنا أمضي لأعد لكم مكاناً، وإن مضيت وأعددتُ لكم مكاناً آتي أيضاً وآخذكم » وقصده بالمكان الملكوت. فلم يفهم عليه توما فقال : « يا سيد لسنا نعلم أين تذهب، فكيف نقدر أن نعرف الطريق » ، لقد فهم أنه يتحدث عن طريق حقيقي وعن رحلة حقيقية، فقال له المسيح مصححاً ومبيناً أن الرحلة معنوية وليست حقيقية مكانية: «أنا هو الطريق والحق والحياة » . يوحنا14/1-6)، أي اتباع شرعه ودينه هو وحده الموصل إلى رضوان الله وجنته، كما في قول بطرس: « بالحق أنا أجد أن الله لا يقبل الوجوه. بل في كل أمة الذي يتقيه ويصنع البر مقبول عنده» أعمال 10/34). ثم طلب منه فيلبس أن يريهم الله، فنهره المسيح وقال له: « ألست تعلم أني أنا في الأب، والأب في، الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي، لكن الأب الحال في هو يعمل الأعمال…» يوحنا 14/10) أي كيف تسأل ذلك يا فلبس، وأنت يهودي تعلم أن الله لا يرى، فالذي رآني رأى الآب، حين رأى أعمال الله - المعجزات - التي أجراها على يد المسيح. يشبه هذا النص تماماً ما جاء في مرقس «فأخذ ولداً وأقامه في وسطهم، ثم احتضنه، وقال لهم: من قبِل واحداً من أولاد مثل هذا باسمي يقبَلني، ومن قبلني فليس يقبلني أنا، بل الذي أرسلني» مرقس 9/37)، فالنص لا يعني أن الطفل الذي رفعه المسيح هو ذات المسيح، ولا أن المسيح هو ذات الله، ولكنه يخبر عليه الصلاة والسلام أن الذي يصنع براً بحق هذا الطفل، فإنما يصنعه طاعة ومحبة للمسيح، لا بل طاعة لله وامتثالاً لأمره. فالرؤية هنا معنوية، أي رؤية البصيرة لا البصر، ولهذا التأويل دليل قوي يسوغه، وهو أن عيسى لم يدع قط أنه الآب، ولا يقول بمثل هذا من النصارى أحد سوى الأرثوذكس الذين هم أيضاً لا يقولون بأن المسيح هو الآب، لكنهم يقولون: الآب هو الابن، فالمعنى الحقيقي القريب للرؤية مرفوض. ومما يؤكد أن الرؤيا معنوية أنه قال بعد قليل: « بعد قليل لا يراني العالم أيضاً، أما أنتم فترونني» يوحنا 14 /19 )، فهو لا يتحدث عن رؤية حقيقية، إذ لا يتحدث عن رفعه للسماء، فحينذاك لن يراه العالم ولا التلاميذ، لكنه يتحدث عن رؤية معرفية إيمانية يراها التلاميذ، وتعشى عنها وجوه العالم الكافر. ويشهد له ما جاء في متى: يشهد له ما جاء في متى: « ليس أحد يعرف الابن إلا الأب، ولا أحد يعرف الأب إلا الابن » متى 11/27)، فهو المقصود من الرؤية المذكورة في النصوص السابقة. ونحوه قوله: «فنادى يسوع وقال: الذي يؤمن بي ليس يؤمن بي بل بالذي أرسلني. والذي يراني يرى الذي أرسلني... لأني لم أتكلم من نفسي، لكن الآب الذي أرسلني هو أعطاني وصية، ماذا أقول وبماذا أتكلم. وأنا أعلم أن وصيته هي حياة أبدية. فما أتكلم أنا به فكما قال لي الآب هكذا أتكلم» يوحنا -12- 44-51)، فالمقصود بكل ذلك رؤية المعرفة، وقوله: « والذي يراني يرى الذي أرسلني» ولا يمكن أن يراد منه أن الذي رأى الآب المرسِل قد رأى الابن المرسَل، إلا إذا كان المرسِل هو المرسَل، وهو محال للمغايرة التي بينهما كما قال المسيح: «أبي أعظم مني» يوحنا 14/28)، وقال: «أبي الذي أعطاني إياها هو أعظم من الكل» يوحنا 10/29). ومثل هذا الاستعمال الذي يفيد الاشتراك في الحكم بين المسيح والله، والذي عبر عنه هنا بالرؤية، مثل هذا معهود في العهد القديم والجديد، ففي العهد القديم لما رفض بنو إسرائيل صموئيل « وقالوا له: هوذا أنت قد شخت، وابناك لم يسيرا في طريقك. فالآن اجعل لنا ملكاً يقضي لنا كسائر الشعوب، فساء الأمر في عيني صموئيل... فقال الرب لصموئيل: اسمع لصوت الشعب في كل ما يقولون لك، لأنهم لم يرفضوك أنت، بل إياي رفضوا » صموئيل -1- 8/4-7)، إذ رفضهم طاعة صموئيل هو في الحقيقة عصيان لله في الحقيقة، ولذا قال: «أليس وهو باق كان يبقى لك، ولما بيع ألم يكن في سلطانك، فما بالك وضعت في قلبك هذا الأمر، أنت لم تكذب على الناس بل على الله، أليس وهو باق كان يبقى لك، ولما بيع ألم يكن في سلطانك، فما بالك وضعت في قلبك هذا الأمر.أنت لم تكذب على الناس بل على الله» أعمال 5/4-5). وكذا من يرى المسيح فكأنه يرى الله، ومن قبِل المسيح فكأنما قبل الله عز وجل، يقول لوقا: «من قبِل هذا الولد باسمي يقبلني. ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني » لوقا 9/48)، وكذا من رأى الآب فقد رآني، لأنه «الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي، لكن الأب الحال في هو يعمل الأعمال…» يوحنا 14/10). وقوله: «أنا هو الطريق والحق والحياة» يقصد فيه المسيح الالتزام بتعليمه ودينه الذي أنزله الله عليه، فذلك فقط يدخل الجنة دار الخلود، كما قال في موطن آخر: «يدخل ملكوت السموات بل الذي يفعل إرادة أبي» متى 7 /21)، فالخلاص بالعمل الصالح والبر « أقول لكم: إنكم إن لم يزد بِرّكم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات.. ومن قال: يا أحمق، يكون مستوجب نار جهنم» متى 5/20-23). ويتأكد ضعف الاستدلال بهذا الدليل للنصارى «الذي رآني فقد رأى الآب» إذا آمنا أن رؤية الله ممتنعة في الدنيا، كما قال يوحنا: « الله لم يره أحد قط» يوحنا 1/18)، وكما قال بولس: «لم يره أحد من الناس، ولا يقدر أن يراه، الذي له الكرامة والقدرة الأبدية » تيموثاوس -1- 6/16)، فيصير النص إلى رؤية المعرفة.
|