6- قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن !
ويتحدث النصارى عن المسيح الإله الذي كان موجوداً في الأزل قبل الخليقة، ويستدلون لذلك بأمور، منها ما أورده كاتب إنجيل يوحنا على لسان المسيح أنه قال:
Joh 8:56 أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ».
Joh 8:57 فَقَالَ لَهُ الْيَهُودُ: «لَيْسَ لَكَ خَمْسُونَ سَنَةً بَعْدُ أَفَرَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ؟»
Joh 8:58 قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ».
ففهموا منه - باطلاً - أن وجوده قبل إبراهيم يعني أنه كائن أزلي.
ويقول كاتب إنجيل يوحنا عن المسيح:
Rev 1:7 هُوَذَا يَأْتِي مَعَ السَّحَابِ، وَسَتَنْظُرُهُ كُلُّ عَيْنٍ، وَالَّذِينَ طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُ عَلَيْهِ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ. نَعَمْ آمِينَ.
Rev 1:8 أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبَِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، يَقُولُ الرَّبُّ الْكَائِنُ وَالَّذِي كَانَ وَالَّذِي يَأْتِي، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.
أي الأول والآخر.
فهذه النصوص مصرحة برأي النصارى بأزلية المسيح وأبديته، وعليه فهي دليل ألوهيته.
ويخالف المحققون في النتيجة التي توصل إليها النصارى، إذ ليس المقصود الوجود الحقيقي للمسيح كشخص ، بل المقصود الوجود القدري والإصطفائي ، أي اختيار الله واصطفاؤه له قديم ، كما قال بولس عن نفسه وأتباعه :
Eph 1:4 كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ،
أي اختارنا بقدره القديم وفي علمه الأزلي ، ولا يفيد أنهم وجدوا حينذاك، وهذا الإصطفاء هو المجد الذي منحه الله المسيح، كما في قوله:
Joh 17:5 وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ.
وهو المجد الذي أعطاه لتلاميذه حين اصطفاهم واختارهم للتلمذة كما اختاره الله للرسالة:
Joh 17:22 وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لِيَكُونُوا وَاحِداً كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ.
ومثله عرف إبراهيم المسيح قبل خلقه، لا بشخصه طبعاً، لأنه لم يره قطعاً " فقد رآني وابتهج بي "، فالرؤية مجازية، وهى رؤية المعرفة، وإلا لزم النصارى أن يذكروا دليلاً على رؤية إبراهيم للإبن.وقول يوحنا على لسان المسيح أنه قال:
Joh 8:58 قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ».
لا يدل على وجوده في الأزل، وغاية ما يفيده النص إذا أُخذ على ظاهره أن للمسيح وجود أرضي يعود إلى زمن إبراهيم ، وزمن إبراهيم لا يعني الأزل .ثم لو كان المسيح أقدم من إبراهيم وسائر المخلوقات ، فإن له لحظة بداية خُلق فيها ، كما لكل مخلوق بداية ، وهو ما ذكره بولس:
Col 1:15 اَلَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ.
فهو مخلوق، لكنه بكر الخلائق أي أولها، والخلق يتنافى مع الأزلية. وأيضاً كما ذكر في سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي أنه بداية خليقة الله (هذا التعليق من كلامي انا )
Rev 3:14 وَاكْتُبْ إِلَى مَلاَكِ كَنِيسَةِ اللَّاوُدِكِيِّينَ: «هَذَا يَقُولُهُ الآمِينُ، الشَّاهِدُ الأَمِينُ الصَّادِقُ، بَدَاءَةُ خَلِيقَةِ اللهِ.
وممن شارك المسيح في هذه الأزلية المدعاة، ملكي صادق كاهن ساليم في عهد إبراهيم ، فإن بولس يزعم أنه لا أب له ولا أم ، ويزعم أنه لا بداية له ولا نهاية ، أي أنه أزلي أبدي، يقول:
Heb 7:1 لأَنَّ مَلْكِي صَادِقَ هَذَا، مَلِكَ سَالِيمَ، كَاهِنَ اللهِ الْعَلِيِّ، الَّذِي اسْتَقْبَلَ إِبْرَاهِيمَ رَاجِعاً مِنْ كَسْرَةِ الْمُلُوكِ وَبَارَكَهُ،
Heb 7:2 الَّذِي قَسَمَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ عُشْراً مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. الْمُتَرْجَمَ أَوَّلاً «مَلِكَ الْبِرِّ» ثُمَّ أَيْضاً «مَلِكَ سَالِيمَ» أَيْ مَلِكَ السَّلاَمِ
Heb 7:3 بِلاَ أَبٍ بِلاَ أُمٍّ بِلاَ نَسَبٍ. لاَ بَدَاءَةَ أَيَّامٍ لَهُ وَلاَ نِهَايَةَ حَيَاةٍ. بَلْ هُوَ مُشَبَّهٌ بِابْنِ اللهِ. هَذَا يَبْقَى كَاهِناً إِلَى الأَبَدِ.
فلم لا يقول النصارى بألوهية ملكي صادق الذي يُشبه بابن الله ؟ بل هو متفوق على المسيح الذي يذكر النصارى أنه صُلب ومات، وله أم بل وأب حسب ما أورده متَّى ولوقا ، في حين أن ملكي صادق قد تنـزه على ذلك كله ؟!
وأيضًا سليمان حين قال عن نفسه:
Pro 8:12 «أَنَا الْحِكْمَةُ أَسْكُنُ الذَّكَاءَ وَأَجِدُ مَعْرِفَةَ التَّدَابِيرِ.
Pro 8:13 مَخَافَةُ الرَّبِّ بُغْضُ الشَّرِّ. الْكِبْرِيَاءَ وَالتَّعَظُّمَ وَطَرِيقَ الشَّرِّ وَفَمَ الأَكَاذِيبِ أَبْغَضْتُ.
Pro 8:14 لِي الْمَشُورَةُ وَالرَّأْيُ. أَنَا الْفَهْمُ. لِي الْقُدْرَةُ.
Pro 8:15 بِي تَمْلِكُ الْمُلُوكُ وَتَقْضِي الْعُظَمَاءُ عَدْلاً.
Pro 8:16 بِي تَتَرَأَّسُ الرُّؤَسَاءُ وَالشُّرَفَاءُ كُلُّ قُضَاةِ الأَرْضِ.
Pro 8:17 أَنَا أُحِبُّ الَّذِينَ يُحِبُّونَنِي وَالَّذِينَ يُبَكِّرُونَ إِلَيَّ يَجِدُونَنِي.
Pro 8:18 عِنْدِي الْغِنَى وَالْكَرَامَةُ. قِنْيَةٌ فَاخِرَةٌ وَحَظٌّ.
Pro 8:19 ثَمَرِي خَيْرٌ مِنَ الذَّهَبِ وَمِنَ الإِبْرِيزِ وَغَلَّتِي خَيْرٌ مِنَ الْفِضَّةِ الْمُخْتَارَةِ.
Pro 8:20 فِي طَرِيقِ الْعَدْلِ أَتَمَشَّى فِي وَسَطِ سُبُلِ الْحَقِّ
Pro 8:21 فَأُوَرِّثُ مُحِبِّيَّ رِزْقاً وَأَمْلَأُ خَزَائِنَهُمْ.
Pro 8:22 «اَلرَّبُّ قَنَانِي أَوَّلَ طَرِيقِهِ مِنْ قَبْلِ أَعْمَالِهِ مُنْذُ الْقِدَمِ.
Pro 8:23 مُنْذُ الأَزَلِ مُسِحْتُ مُنْذُ الْبَدْءِ مُنْذُ أَوَائِلِ الأَرْضِ.
Pro 8:24 إِذْ لَمْ يَكُنْ غَمْرٌ أُبْدِئْتُ. إِذْ لَمْ تَكُنْ يَنَابِيعُ كَثِيرَةُ الْمِيَاهِ.
Pro 8:25 مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقَرَّرَتِ الْجِبَالُ قَبْلَ التِّلاَلِ أُبْدِئْتُ.
وقول بعض النصارى أنه كان يتحدث عن المسيح لا دليل عليه , فسليمان هو الموصوف بالحكمة في الكتاب المقدس ، كما في سفر الأيام :
2Ch 2:12 وَقَالَ حُورَامُ: [مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ الَّذِي صَنَعَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ الَّذِي أَعْطَى دَاوُدَ الْمَلِكَ ابْناً حَكِيماً صَاحِبَ مَعْرِفَةٍ وَفَهْمٍ الَّذِي يَبْنِي بَيْتاً لِلرَّبِّ وَبَيْتاً لِمُلْكِهِ.
وكلمة " منذ الأزل مسحت " لا تدل على المسيح ، إذ لفظ " المسيح " لقب أطلق على كثيرين غير المسيح عيسى ممن مسحهم الله ببركته من الأنبياء كداود وإشعيا
Psa 45:7 أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلَهُكَ ( داود ) بِدُهْنِ الاِبْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ رُفَقَائِكَ.
Isa 61:1 رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي ( أشعياء ) لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ.
فلا وجه لتخصيص المسيح بهذا اللقب. ثم إن الحكمة لم تطلق أصلاً على المسيح ، ولم يختص بها ، فلا وجه في الدلالة على ألوهية المسيح بهذا النص قطعاً.
وقال الرب لأرميا :
Jer 1:5 [قَبْلَمَا صَوَّرْتُكَ فِي الْبَطْنِ عَرَفْتُكَ وَقَبْلَمَا خَرَجْتَ مِنَ الرَّحِمِ قَدَّسْتُكَ. جَعَلْتُكَ نَبِيّاً لِلشُّعُوبِ].
فالأزلية هنا أزلية العلم والقدر لا الوجود والجسم .
أما نصوص سفر الرؤيا والتي ذكرت أن المسيح الألف والياء، وأنه الأول والآخر، فلا تصلح للدلالة في مثل هذه المسائل، فهى كما أشار العلامة ديدات وجميع ما في هذا السفر مجرد رؤيا منامية غريبة رآها يوحنا، ولا يمكن أن يعول عليها، فهي منام مخلط كسائر المنامات التي يراها الناس ، فقد رأى يوحنا حيوانات لها أجنحة وعيون من أمام، وعيون من وراء، وحيوانات لها قرون بداخل قرون…( انظر الرؤيا - 4 - 8 )، فهي تشبه إلى حد بعيد ما يراه في نومه من أُتخم في الطعام والشراب ، وعليه فلا يصح به الإستدلال.
ثم في آخر هذا السفر مثل هذه العبارات صدرت عن أحد الملائكة كما يظهر من سياقها، وهو قوله:
Rev 22:8 وَأَنَا يُوحَنَّا الَّذِي كَانَ يَنْظُرُ وَيَسْمَعُ هَذَا. وَحِينَ سَمِعْتُ وَنَظَرْتُ، خَرَرْتُ لأَسْجُدَ أَمَامَ رِجْلَيِ الْمَلاَكِ الَّذِي كَانَ يُرِينِي هَذَا.
Rev 22:9 فَقَالَ لِيَ: «انْظُرْ لاَ تَ