وكذلك قوله تعالى : }
ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ{<SUP>(
[31])</SUP> والمعنى : لولا فضل الله عليك يا رسول الله، بالعصمة ورحمته إياك، لهمت طائفة منهم أن يضلوك، على فرض الإمكان، لا على فرض الوقوع، بدليل بقية الآية : }
وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ{<SUP>(
[32])</SUP> وقال تعالى : }
وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره وإذاً لاتخذوك خليلاً{ فهذه الآية كسابقتها من جملة الآيات المادحة لرسول الله e، لا أنها من المتشابهات0
ومعناها : "لولا وجود تثبيتنا إياك، لقد قاربت أن تميل إليهم شيئاً يسيراً من أدنى الميل، لكن امتنع قرب ميلك وهواك لوجود عصمتنا وتثبيتنا إياك"<SUP>(
[33])</SUP>0
فتأمل كيف بدأ بثباته وسلامته بالعصمة، قبل ذكر ما عتبه عليه، وخيف أن يركن إليه، على فرض الإمكان لا على فرض الوقوع. وتأمل كيف جاء فى أثناء عتبه – إن كان ثم عتب – براءته e، وفى طى تخويفه تأمينه وكرامته صلوات الله وتسليمه عليه<SUP>(
[34])</SUP>0
وصفوة القول : أن ما استدل به من آيات على عدم عصمته e لا حجة لهم فيها لأن تلك الآيات الكريمات هى فى حقيقة الأمر واردة فى مقام المنة على رسول الله e، ومع تلك المنَّة يستحيل ما استدلوا به على عدم عصمته e وتأمل معى آية سبأ : }
قل إن ضللت فإنما أضل على نفسى وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربى إنه سميع قريب{<SUP>(
[35])</SUP> فهل مع منَّة النبوة، ونزول وحى الله تعالى إليه يكون ضلال؟ هل يعقل هذا؟ وكذلك آية يوسف : }
نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين{<SUP>(
[36])</SUP> فهل مع منة الوحى، ونزول القرآن عليه يجوز فى حقه e غفلة جهل، سواء قبل النبوة أو بعدها؟! وكذلك ما استدلوا به من آية الضحى : }
ووجدك ضالاً فهدى{ تجدها آية كريمة وردت فى سورة عظيمة أقسم رب العزة فى أولها بالضحى، والليل إذا أقبل بظلامه، على أنه ما ترك نبيه e، وما أبغضه، وهذا من كمال عنايته عز وجل فى رد ما قال المشركون للنبى e، ثم أخذ رب العزة يعدد فى ضمن نفى التوديع والقلى : }
ما ودعك ربك وما قلى{<SUP>(
[37])</SUP> نعمه على حبيبه ومصطفاه فى الدنيا والآخرة، وآمراً له بأن يحدث بها قال تعالى : }
وللآخرة خير لك من الأولى. ولسوف يعطيك ربك فترضى. ألم يجدك يتيماً فأوى. ووجدك ضالاً فهدى. ووجدك عائلاً فأغنى. فأما اليتيم فلا تقهر. وأما السائل فلا تنهر. وأما بنعمة ربك فحدث{<SUP>(
[38])</SUP> فتأمل كيف وردت آية }
ووجدك ضالاً فهدى{ فى معرض الثناء والمدح، والمنَّة عليه e بنعم لا تعد ولا تحصى. فهل يعقل أن يكون مراداً بالضلال فى هذا المقام ضلال الكفر والفساد؟!! كيف وقد عصمه رب العزة من ذلك قبل نبوته، وهو ما تشهد به سيرته العطرة، على ما سبق تفصيله فى مبحثى الفصل الأول دلائل عصمته فى عقله وبدنه من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة؛ كما شهد رب العزة بعصمته من الضلال بعد نبوته فى قوله تعالى : }
ما ضل صاحبكم وما غوى{<SUP>(
[39])</SUP> مع تأكيد النفى بالقسم بقوله عز وجل : }
والنجم إذا هوى{<SUP>(
[40])</SUP>0
وتأمل دلالة كلمة "صاحبكم" فى قوله }
ما ضل صاحبكم وما غوى{ ولم يقل : محمد، أو رسول الله، أو نحو ذلك. تأكيداً لإقامة الحجة على المشركين بأنه صاحبهم، وهم أعلم الخلق به، وبحاله، وأقواله، وأعماله، منذ نشأته بينهم بالأمانة، والصدق ورجاحة العقل، والخلق القويم، وأنهم لا يعرفونه بكذب، ولا غى، ولا ضلال فى العقيدة أو الأخلاق، وبالجملة : لا ينقمون عليه أمراً واحداً قط، وقد نبه الله تعالى على هذا المعنى بقوله عز وجل : }
قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون{<SUP>(
[41])</SUP> وقال سبحانه : }
أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون{<SUP>(
[42])</SUP>0
هذا وفى القسم بالنجم، إشارة إلى أنه e يهتدى به كما يهتدى بالنجم، ومن يهتدى به، وحث رب العزة على الاقتداء به، يستحيل فى حقه الضلال0
إن الآية الكريمة }
ما ضل صاحبكم وما غوى{ مسوقة لتبرئته e مما رماه به المشركون قديماً من الضلال والغى، وهى أيضاً مسوقة لتبرئته e مما رماه به أذيالهم حديثاً من تفسير الضلال والغفلة، بالكفر والفساد. فوجب أن يكون النفى عاماً فى الضلال والغى قبل النبوة وبعدها0
وهو ما يدل عليه اللفظ العربى، ويقتضيه سياق الآية، إذ من المعلوم فى اللفظ العربى أن الفعل إذا ما وقع فى سياق النفى أو الشرط، دل على العموم وضعاً بلا نزاع0
زد على هذا أن الأفعال بمنزلة النكرات، والنكرة تعم، فكأنه قال : ما صدر منه e ضلال لا فى عقيدة ولا فى خلق لا قبل النبوة ولا بعدها<SUP>(
[43])</SUP>0
والمفسرون حين عمموا الآية فى جميع الضلال قبل النبوة وبعدها، قالوا بما يدل عليه اللفظ العربى دلالة وضعية لغوية، وبما يقتضيه سياق الآية، وبما تشهد به سيرته e من كمال عقله وخلقه قبل النبوة وبعدها، وعصمته فى قلبه وعقيدته من الكفر والشرك، والشك، والضلال، والغفلة، على ما سبق تفصيله<SUP>(
[44])</SUP> أهـ0
والله تبارك وتعالى أعلى وأعلم <HR>([1]) ينظر ص7،11 0
([2]) ص44 – 79، وينظر : خواطر دينية لعبد الله الغمارى ص178، 179 0
([3]) الآية 62 يس، وينظر : تفسير القرآن العظيم لابن كثير 6/570، 571 0
([4]) جزء من الآية 282 البقرة0
([5]) الآية 20 الشعراء، وينظر : الأشباه والنظائر فى القرآن الكريم لمقاتل بن سليمان ص297 – 299 0
([6]) الآية 8 يوسف0
([7]) الآية 95 يوسف0
([8]) الآية 30 يوسف0
([9]) ينظر : معجم مفردات ألفاظ القرآن للأصفهانى ص333، 334، وتأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص457 0
([10]) ينظر : حديث تحنثه فى غار حراء فى صحيح البخارى (بشرح فتح البارى) كتاب بدء الوحى 1/30 رقم 3 0
([11]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبى 20/ 97 0
([12]) هو : محمد بن الشيخ عبد الباقى الزرقانى، أبو عبد الله، الإمام الفقيه، الفهامة المتفنن، المحدث، الرواية المسند، المؤلف المتقن، من مؤلفاته النافعة : شرح الموطأ، وشرح المواهب اللدنية للقسطلانى، وغير ذلك. مات سنة 1122هـ له ترجمة فى : شجرة النور الزكية للشيخ محمد مخلوف 1/318، 319 رقم 1237 0
([13]) شرح الزرقانى على المواهب 9/11، وينظر : الشفا 2/112، 113 0
([14]) حجية السنة ص112 0
([15]) الآية 52 طه0
([16]) ينظر:تفسير القرآن العظيم لابن كثير5/291،ومعجم مفردات ألفاظ القرآن للأصفهانى ص405 0
([17]) الآية 3 يوسف0
([18]) الآية 52 الشورى0
([19]) ينظر : تنزيه الأنبياء عما نسب إليهم حثالة الأغبياء لعلى السبتى ص112، 113، والشفا 2/114 0
([20]) ينظر : تفسير المنار 12/208، وجامع البيان عن تأويل آى القرآن لابن جرير الطبرى 12/624، والجامع لأحكام القرآن للقرطبى 20/96، وفتح القدير 4/763، وعصمة الأنبياء للرازى ص92، 93 0
([21]) الشفا 2/112، وينظر : شرح الشفا للقارى 2/2050 تفسير جزء عم للشيخ محمد عبده ص111، 112 0
([22]) ينظر : شرح الزرقانى على المواهب 9/ 8 – 14، والشفا 2/112 – 114، ومفاتيح الغيب للرازى 8/451، 452 0
([23]) الآية 50 سبأ0
([24]) الآية 80 الشعراء0
([25]) جزء من الآية 79 الكهف0
([26]) جزء من الآية 82 الكهف0
([27]) جزء منا الآية 15 القصص0
([28]) جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة النبى e، ودعاؤه بالليل 3/309 رقم 771 من حديث على ابن أبى طالب رضى الله عنه0
([29]) الآية 78 النساء، وينظر : المنهاج شرح مسلم 3/317 رقم 771 0
([30]) الآية 49 القلم0
([31]) الآية 113 النساء0
([32]) ينظر : تنزيه الأنبياء لعلى السبتى ص119 0
([33]) شرح الشفا للقارى 1/68 بتصرف يسير0
([34]) الشفا 1/30، وينظر : شرح الزرقانى على المواهب 9/51 0
([35]) الآية 50 سبأ0
([36]) الآية 3 يوسف0
([37]) الآية 3 الضحى0
([38]) الآيات 4 – 11 الضحى0
([39]) الآية 2 النجم0
([40]) الآية الأولى النجم0
([41]) الآية 16 يونس0
([42]) الآية 69 المؤمنون، وينظر : شرح الزرقانى على المواهب 8/457 بتصرف0
([43]) ينظر : شرح الزرقانى على المواهب 9/4 0
([44]) يراجع : ص47 – 79، وينظر : دلالة القرآن المبين على أن النبى e أفضل العالمين للأستاذ عبد الله الغمارى ص138، 139 0