دورة حياة البلهارسيا:
تتميز دورة حياة البلهارسيا بتبادل الأجيال، إذ يوجد جيل جنسي في العائل الفقاري النهائي الذي يستضيف الديدان البالغة، وجيل لا جنسي (الأطوار اليرقية) في العائل اللافقاري من الرخويات (القواقع).
ويصل البيض إلى البيئة الخارجية من خلال البول أو البراز. وتتحكم عدة عوامل في خروج البيض من جسم الإنسان، مثل ضغط الدم في الشعيرات الدموية، وتمعج الأحشاء (الحركة الدودية للأمعاء)، والأنزيمات المذيبة التي يفرزها الحيوان الهدبي (الميراسيديوم، وهو الطور اليرقي داخل البيضة)، ثم تأثير الشوكة الموجودة على السطح الخارجي للبيضة.
كما ثبت أخيرًا، أن خروج البويضات من الغشاء المخاطي للأمعاء، ثم إلى البراز، يتم بمهاجمة الخلايا المناعية من جسم الإنسان لهذه البويضات، حتى يتم طردها للخارج، أو يتم بقاؤها في جدار الأمعاء، أو ترتجع إلى الكبد، لينشأ نفس الالتهاب حولها، والذي تنتج عنه أعراض المرض. ففي إحباط الخلايا المناعية وفي الفئران المصابة، تتوقف البويضات عن الخروج في البراز.
وتختلف كمية البيض الخارج يوميا من جسم الإنسان تبعا لنوع الطفيل، إذ تصل إلى أقصى معدلاتها في طفيل البلهارسيا اليابانية (560 ـ 2200) وتتراوح بين (66 ـ 495) بيضة في طفيل البلهارسيا المعوية.
ويفقس البيض تحت تأثير الحرارة والضوء واختلاف الضغط الأسموزي، خلال فترة وجيزة، مُطلِقًا طورًا يرقيًا هدبيا (الميراسيديوم)، يسبح بسرعة 2مم في الثانية، ويحتفظ بالمقدرة على إحداث العدوى بعائله الوسيط من الرخويات (القوقع)، خلال فترة تمتد بين 8 ـ 12 ساعة عند درجة حرارة 24 ـ 28مْ. (وفي مسح أجري بالبرازيل لقياس درجة إصابة القواقع، وجد أن نسبة القواقع المصابة تمثل 0.2% فقط من مجموع القواقع المختصة بنقل المرض، ومع ذلك فإنها تكون كافية لنقل العدوى، واستمرار دورة الحياة).
ويدخل الميراسيديوم إلى جسم القوقع، ويتحول إلى الطور الكيسي، ثم يهاجر بعد ذلك إلى القناة الهضمية للقوقع، حيث ينتج الطور اليرقي المعدي المعروف بالمذنبات (السركاريا)، والتي تتميز بذيلها المشقوق، وعدد من غدد الاختراق في مقدمتها لتساعد المذنب على اختراق جلد العائل النهائي بإقرازاتها المذيبة للأنسجة. وتترواح الفترة بين دخول الميراسيديوم إلى جسم القوقع وخروج السركاريا (وهي ما تعرف بفترة الحضانة) بين 28 ـ 49 يومًا، تبعًا لنوع الطفيل والقوقع والعوامل البيئية المصاحبة.
ويُخرج القوقع المصاب يوميًا ما يقارب 1500 من المذنبات، على دفعات تصل إلى 24 دفعة في فترة النهار، ويستمر ذلك على مدى 24 يومًا.
وتسبح المذنبات في الماء وتبقى خلال 12 ـ 48 ساعة، ولكنها تفقد قدرتها على العدوى بعد 5 ـ 8 ساعات؛ إذ تعتمد هذه المذنبات على الغذاء المختزن في الذيل، والذي يستنفد خلال هذه الفترة.
ويمكن أن تخترق هذه المذنبات جلد العائل النهائي الفقاري (إنسان أو حيوان)، (ويستغرق الاختراق الفعلي للطبقة السطحية من الجلد نصف ساعة Epidermis، ثم تخترق الغشاء الفاصل بين هذه الطبقة وطبقة الجلد Basament Membrane على مدى يوم أو يومين، لتصل إلى طبقة الجلد Dermis، ثم تخترق أحد الأوعية الدموية خلال 10 ساعات.
ويتحول الطفيل أثناء ذلك إلى دودة صغيرة Schistosomule، قد تهاجمها الخلايا المناعية بالجسم، أو تصل إلى الرئتين، ويفقد الكثير من هذا الطور هناك، أو يصل إلى الدورة البوابية للكبد (في طفيل مانسوني والياباني)، حيث يكتمل نموه إلى طور الطفيل البالغ، ويتم احتضان الذكر للأنثى، ثم يتحركان نحو أماكن وضع البيض في الأوردة الدموية للقولون والمستقيم (sup. Mesenteric v. for mans. & inf. Mesenteric v. for jap).
كما يتجه طفيل البلهارسيا البولية إلى الدورة الوريدية العامة، ويستقر الطور البالغ في أوردة المثانة وأسفل الحالب. وهكذا يصل الطفيل إلى الطور البالغ في العائل الفقاري النهائي، خلال الفترة 25 ـ 63 يوما.
وتستمر حياة هذا الطور البالغ في جسم الإنسان 7 سنوات، ولكن لوحظ وجود البويضات الحية في بول أو براز المصابين بعد 20 سنة من الإصابة، ومغادرة الأماكن الموبوءة.
طفيليات البلهارسيا:
تعد طفيليات البلهارسيا من أهم الديدان المفلطحة التي تعيش في الأوعية الدموية للإنسان وغيره من الفقاريات، وتسبب للإنسان مرضا خطيرًا يؤثر على أغلب أعضاء الجسم، وهو مرض البلهارسيا.
وقد اهتم العلماء بدراسة أنواع هذه الطفيليات، والقواقع الناقلة لها، وأماكن انتشارها.
وقد أمكن تقسيم طفيليات البلهارسيا المختلفة إلى أنواع، تبعًا لشكلها الخارجي (كما يظهر بالمجهر الإلكتروني الماسح)، وصفاتها البيولوجية، ومميزاتها الأخرى.
فمن هذه الطفيليات مجموعة تصيب الطيور، وأخرى تصيب الثدييات.
ومن الأخيرة ما يصيب الإنسان، أو يشترك في إصابة الإنسان وغيره من الحيوان.
ومن أهم الأنواع التي تصيب الإنسان مجموعة البلهارسيا البولية، ومجموعة البلهارسيا المانسونية، ومجموعة البلهارسيا الهندية، ثم مجموعة البلهارسيا اليابانية.
كما عنيت الدراسات بالقواقع الناقلة للبلهارسيا، من حيث أنواعها، ومدى موائمتها للطفيل، وطرق انتشارها وأثر البيئة عليها.
وقد أظهرت الدراسات حساسية هذه القواقع للعوامل الفيزيائية والكيميائية، مثل درجة الحرارة والأس الهيدروجيني، وشدة الإضاءة، وكمية الأمطار والمحتوى المعدني والملحي للمياه، كما ظهر تباين درجة تحملها للجفاف النسبي.
ولا يُخفى أن طرق مقاومة القواقع، تعتمد في المقام الأول على معرفة بيئتها، والعوامل المؤثرة على حياتها.
فإن القواقع لها قدرة محدودة على تحمل الجفاف، ولكن مع جفاف بعض المجاري المائية، تبقى بعض البؤر الرطبة والمستنقعات التي يكمن فيها القوقع، ليستعيد نشاطه مع عودة المياه.
ويسهل مداهمة هذه البؤر باستخدام المبيدات الكيماوية للقضاء على بؤر التوالد، وقطع دورة الحياة للطفيل.
المناطق الموبوءة ومدى انتشار المرض:
تنشر المياه الصالحة لنمو القواقع وانتشار المرض في القارة الإفريقية، والشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية والبحر الكاريبي، وبعض أماكن في جنوب أوروبا وأمريكا الشمالية، أما البلهارسيا اليابانية فأكثر انتشارها في اليابان والفلبين ومناطق الشرق الأقصى.
ويقدّر عدد المصابين في العالم بما يزيد عن 250 مليون مصاب.
وقد أدى بناء السدود والخزانات إلى زيادة مطردة في انتشار الإصابة بالمرض.
ففي مصر على سبيل المثال؛ أدى تحويل ري الحياض إلى الري الدائم وتكوين بحيرة السد، إلى أن أصبح مجرى نهر النيل نفسه، بالإضافة إلى البحيرة من مصادر الإصابة بالمرض، بعد أن كانت خالية منه، وارتفعت نسب الإصابة بالمرض في القرى مابين 60 ـ 80%.
وتعتمد طرق الوقاية والمكافحة حاليًا على:
علاج الأفراد المصابين، والذي يهدف إلى الإقلال من فرص إصابة القواقع بالطفيل، وانتشار العدوى، ويتم ذلك بالعلاج الجماعي لكل أفراد المجتمع دون إجراء أية فحوص تشخيصية، أو علاج جميع المصابين، أو علاج الإصابات العالية فقط. وذلك تبعًا لدرجة انتشار المرض، وتوفّر الإمكانات.
مكافحة القواقع والأعشاب المائية التي تساعد على توالدها، والبؤر التي تساعد على استمرار وجودها.
منع تلوث المياه ببيض الطفيل، وذلك بتوفير الصرف الصحي ونشر الوعي بين الناس.
تُبذل الجهود لاستحداث لقاح ضد الطفيل في مرحلة دخوله إلى الجسم، ولكنها لم تُحرز إلا نجاحًا محدودًا.
وإذا نظــرنا لطريقـــة العـــدوى، والتي تحدث عن طريق المذنبات في الماء الراكد، فإن هذه المذنبــات تنطلق من القواقع المصابة كما ذكرنا في النهار، وتسبح في المياه مثل الميراسيديوم للبحث عن العائل، وتتخذ نفس طريقة حركة الميراســـيديوم في الميــاه، وتتجه للظل وراء الأعشاب وتلتصق بأسطحها، أو تنجذب بالأحرى إلى العائل، منجذبة له بالحرارة والمواد الكيميائية المنبعثة من الجلد (F.A.،a.a.، dopamine، arginine).
