في الآية الثانية من الباب الرابع والعشرين من إنجيل متى قول المسيح هكذا

(الحق أقول لكم إنه لا يترك ههنا حجر على حجر لاينقص)).
وصرح علماء البروتستانت أنه لا يمكن أن يبقى في موضع بناء الهيكل بناء ، بل كلما يبني ينهدم كما أخبر المسيح .
قال صاحب(تحقيق دين الحق) مدعياً أن هذا الخبر من أعظم أخبار المسيح عن الحوادث الآتية في الصفحة 394 من كتابه المطبوع سنة 1846م هكذا: (( إن السلطان جولين الذي كان بعد ثلاثمائة سنة من المسيح ، وكان قد ارتدعن الملة المسيحية أراد أن يبني الهيكل مرة أخري لإبطال خبر المسيح ، فلما شرع خرج من أساسه نار ففر البناؤون خائفين ، وبعد ذلك لم يجترىء أحد أن يرد قول الصادق الذي قال : إن السماء والأرض تزولان وكلامي لا يزول )). انتهت ترجمة كلامه ملخصاً .
والقسيس الدكتور كيث كتب كتاباً باللسان الإنجليزي في رد المنكرين ، وترجمه القسيس مريك باللسان الفارسي وسماه بـ(كشف الآثار في قصص أنبياء بنى إسرائيل ) ، وطبع هذا الكتاب في دار السلطنة أدنبرغ سنه 1846م ، وأنا أنقل ترجمة عبارته فأقول : إنه قال في الصفحة 70 : ((إن يوليان ملك الملوك – وهذه التسمية غير جائزة عندنا في الإسلام - أجاز اليهود وكلفهم أن يبنوا أورشليم والهيكل ، ووعد أيضاً أنه يقرهم فى بلدة أجدادهم ، وشوق اليهود وغيرتهم ما كانا بأنقص من شوق ملك الملوك فاشتغلوا ببناء الهيكل ، لكن لما كان هذا الأمر مخالفاً لخبر عيسى عليه السلام استحال وإن كان اليهود في غاية الجد والاجتهاد في هذا الأمر وكان ملك الملوك متوجهاً وملتفتاً إليه ، ونقل المؤرخ الوثنى أن شعلات النار المهيبة خرجت من هذا المكان و أحرقت البنائين ، فكفوا أيدهم عن العمل )) انتهى .
وهذا الخبر غلط أيضاً مثل الخبر الذي بعده في هذا الباب .
كتب طامس نيوتن تفسيراً على الأخبار عن الحوادث الآتية المندرجة في الكتب المقدسة ، وطبع هذا التفسير سنة 1803م في لندن ، فقال في الصفحة 63و64 من المجلد الثاني من التفسير المذكور هكذا :
(( عمر [ رضي الله عنه] كان ثاني الخلفاء ، وكان من أعظم المظفرين ، الذي على وجه الأرض كلها ، وكانت خلافته إلى عشر سنين ونصف فقط ، وتسلط في هذه المدة على جميع مملكة العرب والشام وإيران ومصر ، وحاصر عسكره أورشليم ، وجاء بنفسه ههنا ، وصالح المسيحيون بعدما كانـوا ضيقي الصـدر مــــن طول المحاصرة سنة 637م ، وسلموا البلدة فأعطاهم شروطاً ذات عز ، وما نزع كنيسة من كنائسهم ، بل طلب من الأسقف موضعاً لبناء المسجد ، فأخبره الأسقف عن حجر يعقوب وموضع الهيكل السليماني ، وكان المسيحيون ملؤوا هذا الموضع بالسرقين والروث لأجل عناد اليهود ، فشرع عمر [رضي الله عنه ] في تصفية هذا الموضع بنفسه ، واقتدى به العظام من عسكره في هذا الأمر الذي هو من عبادة الله ، وبني مسجداً وهذا هو المسجد الذي بني في أورشليم أولاً ، وصرح بعض المؤرخين أن عبداً من العبيد قتل عمر في هذا المسجد ، ووسع هذا المسجد عبد الملك بن مروان الذي هو ثاني عشر من الخلفاء )) انتهى . ( والصواب أن عمر رضي الله عنه قتل في المسجد النبوي بالمدينة ) .
وفي كلام هذا المفسر وإن وقع غلط ما ، لكنه يوجد فيه أن عمرــ رضي الله عنه ــ بنى أولاً المسجد في موضع الهيكل السليماني ، ثم وسعه عبد الملك بن مروان ، وهذا المسجد [كان موجوداً إلى مدة هي أزيد من أربعمائة سنة ، ثم لما تسلط الفرنج على بيت المقدس هدموه وبنوا في موضعه كنيسة ، ثم لما غلبهم السلطان صلاح الدين بن أيوب الكردى سنة خمسمائة وثمانين من الهجرة وأخرجهم ، هدم الكنيسة وبنى المسجد على النحو الذي هو عليه الآن ] .
[قال ابن خلدون في المجلد الأول من تاريخه : ((حضر عمر لفتح بيت المقدس وسأل عن الصخرة ، فأري مكانها وقد علاها الزبل والتراب ، فكشف عنها وبني عليها مسجداً على طريق البداوة ... ثم احتفل الوليد بن عبد الملك في تشييد مسجده على سنن مساجد الإسلام بما شاء الله .. ثم لما ضعف أمر الخلافة أعوام الخمسمائة من الهجرة في آخرها ... زحف الفرنجة إلى بيت المقدس ، فملكوه وملكوا معه عامّة ثغور الشام ، وبنوا على الصخرة المقدسة من كنيسة ... حتى إذا استقل صلاح الدين بن أيوب الكردي .... زحف إلى الشام ، وجاهد من كان به من الفرنجة حتى غلبهم .... وذلك لنحو ثمانين وخمسمائة من الهجرة ، وهدم تلك الكنيسة وأظهر الصخرة] .
فكيف زال قول المسيح على زعموا ولم تزل السماء الأرض ، ولما كان هذا القول منقولاً في الآية الثانية من الباب الثالث عشر من إنجيل مرقس ، والآية السادسة من الباب الحادي والعشرين من إنجيل لوقا أيضاً ، فيكون كاذباً باعتبار هذين الإنجيلين أيضاً ، فهذه أغلاط ثلاثة باعتبار الأناجيل الثلاثة .
2- في الآية الثالثة عشرة من الباب الثالث من إنجيل يوحنا هكذا

(وليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو فى السماء )) .
وهذا غلط؛ لأن أخنوخ و إيليا عليهما السلام رفعا إلى السماء وصعدا إليها ، كما هو مصرح في الباب الخامس من سفر التكوين ، والباب الثاني من سفر الملوك الثاني
3- الآية الأولى من الباب الثالث من إنجيل لوقا هكذا

( و في السنة الخامسة عشرة من سلطنة طيباريوس قيصر إذ كان بيلاطس البنطي والياً على اليهودية و هيرودس رئيس ربع على الجليل و فيلبس أخوه رئيس ربع على ايطورية و كورة تراخونيتس و ليسانيوس رئيس ربع على الأبلية )) .
وفي بعض التراجم بدل الأبلية : ابليني ، والمآل واحد ، وهذا غلط عند المؤرخين ؛ لأنه لم يثبت عندهم أن أحداً كان رئيس ربع على الأبلية مسمى بليسانيوس معاصراً لبيلاطس وهيرودس .
4- في الآية الخامسة من الباب الخامس عشر من الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس هكذا

( وأنه ظهر لصفا ثم للأثني عشر)) .
وهو غلط ؛ لأن يهوذا الإسخريوطي كان قد مات قبل هذا ، فما كان الحواريون إلا أحد عشر ، ولذلك كتب مرقس في الباب السادس عشر من إنجيله أنه ((ظهر للأحد عشر )) .
