إن الباحث عن الشريعة التي جاءت بها المسيحية يجدها نادرة وقليلة لا تغطي حتى بعض جوانب الحياة الرئيسية ، فنجدها قاصرة في جميع فروعها .
والباحث في الأناجيل الأربعة المعتمدة يكاد أن يجدها خالية من التشريع فقد قال المسيح في انجيل متّى "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل "(342) ؛ لذلك فالمسيحية ملزمة بأخذ كل تشريعاتها من القديم (التوراة)لذلك تطبع الكنيسة (الكتاب المقدس ) في عهديه القديم والجديد معاً في مجلد واحد "(343)
فروع الشريعة :
" الشريعة هي الأحكام العلمية المتصلة بالعمل (لا) بالاعتقاد ، وقد قسمت هذه الأعمال وأحكامها إلى الأقسام والفروع التالية :
1) عبادات
2) معاملات
3) أخلاقيات
والعبادات :هي التي تنظم العلاقة بين الإنسان والله سبحانه وتعالى .
والمعاملات: هي التي تنظم العلاقات بين الناس فيدخل في ذلك أحكام البيع والشراء والتجارة والشفعة والرهن ..الخ ، كذلك يدخل فيها شؤون الأسرة مثل الزواج والطلاق والميراث ، والأحكام الخاصة بالجنايات والحدود مثل القتل وأحكام الشريعة فيه مع بيان أنواعه ، وأما الحدود فمثل حد الزنى وشرب الخمر والقذف والسرقة.
أما الجانب الأخلاقي فأمره معروف"(344).
إن فروع الشريعة هذه تكاد تكون الأناجيل خالية منها .
1) فالصلاة:
الصلاة عند المسيحيين ركن من أركان الدين ، بشكل عام فإن الصلاة حسب أكثرية المذاهب سبع صلوات في اليوم والليلة ، وليس لها كيفية محدودة (345) ، ولكن البروتستانت لا يؤمنون بالصلوات السبع التي للكنيسة ولا بمواعيدها و لا بمحتوياتها (346)، وللصلاة عندهم شرطان أساسيان لا تقوم إلا بهما :
1. الشرط الأول : يجب أن تقدم باسم المسيح ، فقد جاء قي الإنجيل يوحنا قول المسيح u : " الحق أقول لكم إن كل ما طلبتم من الأب باسمي يعطيكم ،إلى الآن لم تطلبوا شيئاً باسمي ، اطلبوا تأخذوا ليكون فرحكم كاملاً"(347).
2. الشرط الثاني : أن يسبق الصلاة الإيمان الكامل بما عندهم من تثليث وغيره فقد جاء في إنجيل مرقس : " لذلك أقول لكم كل ما تطلبونه حينما تصلون فآمنوا أن تنالوه ، فيكون لكم "(مرقس 11)(348).
والصلاة عندهم ليس لها ترتيب ولا عبارات خاصة بل يختارون ما يشاءون من الأدعية التي قالها القديسون ؛ يقول ابن قيم الجوزية : " وطوائف النصارى إنما يقرأون في صلاتهم كلاماً قد لحنه لهم الذين يتقدمون ويصلون بهم ، يجري مجرى النوح والأغاني ، فيقولون هذا قداس فلان وهذا قداس فلان ينسبونه إلى الذين وضعوه "(349)
"وعندما نراجع بعض الأدعية التي وردت في بعض العقائد الفرعونية والهندية نرى تشابهاً كبيراً بينها وبين أدعية النصارى"(350).
وتستفتح صلاتهم بالتصليب ، وهم يؤدونها بلا طهارة ؛ فلا غسل من الجنابة ولا تطهر من البول والغائط ، بل يذهب إلى الكنيسة وهو جنب غير متطهر من أي نجاسة ، مع أن عيسى u ما صلى إلا متطهراً لأنه كان يتبع شريعة موسى في الطهارة ،
يقول ابن القيم :
" إن المسيح صلوات الله وسلامه عليه كان يتدين بالطهارة ، ويغتسل من الجنابة ويوجب غسل الحائض ، وطوائف النصارى عندهم أن ذلك كله غير واجب وأن الإنسان يقوم من على بطن المرأة ويبول و يتغوط ولا يمس ماء ولايستجمر ، والبول والنجو ينحدر على ساقه وفخذه ويصلي كذلك وصلاته صحيحة تامة ، ولو تغوط وبال وهو يصلي لم يضره !!
ويقولون أن الصلاة بالجنابة والبول والغائط أفضل من الصلاة بالطهارة ، لأنها حينئذ أبعد من صلاة المسلمين واليهود وأقرب إلى مخالفة الأمتين"(351).
وهم يصلون إلى المشرق وما صلى المسيح إلى الشرق قط، وما صلى إلى أن رفعه الله إلا إلى بيت المقدس (352)، وطائفة البروتستانت لا يتجهون إلى الشرق ولا إلى بيت المقدس فهم لا يتقيدون بأي اتجاه ، بل يتجهون إلى أي اتجاه حسب مواضعهم .
2) الصوم:
الصوم عند المسيحيين أساسي في العقيدة ، ولكنه اختياري لا إجباري (353).
ومفهوم الصوم عندهم : هو الامتناع عن الطعام حتى منتصف النهار ثم تناول طعام خالٍ من الدسم -عند البروتستانت-(354).
وعند البعض يمتنع عن أكل لحم الحيوان أو ما يتولد منه ، أو ما يستخرج من أصله ويقتصر على أكل البقول (355)، وينقسم الصوم إلى :
1. الصوم المقدس : وعدد أيامه( 55 يوماً).
2. صوم الميلاد : وعدد أيامه (43 يوماً )ينتهي بعيد الميلاد.
3. صوم الرسل : وتتراوح أيامه بين (15-90يوماً).
4. صوم السيدة العذراء مريم: وعدد أيامه (15 يوماً)
5. صوم أهل نينوى : وعدد أيامه (3 أيام )
6. صوم يوم الأربعاء والجمعة على مدار السنة ، الأربعاء ليلة القبض على عيسى و الجمعة يوم صلبه.
7. صوم البرامون وعدد أيامه يتراوح بين(1 - 7)ومعناه الاستعداد (356)
وطائفة البروتستانت قد ألغت هذه المواعيد ولم تعمل بالصوم الجماعي وإنما الصوم عندهم في غالبيته عملي فردي يصوم الفرد منهم متى شاء وكيف شاء (357).
3) الحج:
لم يكن الحج يوماً من الأيام عبادة من عبادات العقيدة النصرانية فلم تشر الأناجيل إلى ذلك ، ولم تظهر هذه العبادة في الكتابات المسيحية الأولى .
وكبقية العبادات خضعت هذه العبادة أو الشعيرة لاختراعات وابتداعات من قبل اللاهوتيين المسيحيين وخاصة البابا ،وباعتبار أن المسيح u قد ولد في فلسطين ، ورفع إلى السماء منها فقد أنشئت له كنيسة في الناصرة وكنيسة القيامة في مدينة القدس ،وكذلك كنيسة أخرى في بيت لحم ، واعتبر المسيحيون كل بقعة تجول فيها المسيح مكاناً مقدساً وراح اللاهوتيون مع مرور السنين يفلسفون مفهوم الحج بأنه زيارة واجبة على كل مسيحي إلى تلك الأماكن المقدسة (358)، وهكذا نشأت شعيرة الحج التي لم يقم بأدائها عيسى u ولا الحواريون من بعده.
4) الزكاة:
لا يوجد مقدار محدد ولا نصاب محدد بل هناك مواعظ للترغيب في البذل وترك المال كاملاً .(359)
وهذه هي العبادات التي جاءت بها الأناجيل ،ونحن نلاحظ الخلاف بين الطوائف في أساسياتها ، ففي الصلاة لا يوجد صلاة واحدة يتبعها الجميع وليست صلاة منظمة ، وكذلك الصوم لا يتفقون على صيام محدد ولا مما يمتنعون منه .. وهكذا .
ونحن لا نستغرب ذلك لأن شريعة قد حرفت لا يتوقع منها الانتظام والوحدة لجميع أتباعها.
