لقد غلا رجال الكنيسة المسيحيون في إهدار شأن المرأة ، وجاوزوا الحد في نظرتهم إلى العلاقة ما بين الرجل والمرأة ، فهم يرون أن المرأة ينبوع المعاصي ، وأصل السيئة والفجور ، وهي للرجل باب من أبواب جهنم: من حيث أنها مصدر تحريكه وحمله على الآثام ، ومنها انبجست عيون المصائب الإنسانية جمعاء ، فبحسبها ندامة وخجلاً أنها امرأة ، وينبغي أن تخجل من حسنها وجمالها ، لأنه سلاح إبليس الذي لا يوازيه سلاح من أسلحته المتنوعة ، وعليها أن تُكفّر ولا تنقطع عن أداء الكفارة أبداً ، لأنها هي التي قد أتت بما أتت به من الرزء والشقاء للأرض وأهلها.
قال (توتوليان) أحد أقطاب المسيحية الأول وأئمتها مبيناً نظرية المسيحيين في المرأة: (أنها مدخل الشيطان إلى نفس الإنسان ، وإنها دافعة بالمرء إلى الشجرة الممنوعة ، وناقضة بقانون الله ، ومشوّهة لصورة الله ( أي الرجل).
وكذلك يقول (كرائي سوستا) الذي يعد من كبار أولياء الديانة المسيحية في شأن المرأة: (هي شر لا بد منه ، ووسوسة جبلّية ، وآفة مرغوب فيها ، وخطر على الأسرة والبيت ، ومحبوبة فتّاكة ، ورزء مطليّ مموّه) ، وكان يقال: إن الشيطان مولع بالظهور في شكل أنثى ، وكان من الموضوعات التي يتدارسها رجال الكنيسة:
· هل للمرأة أن تعبد الله كما يعبده الرجل؟
· هل تدخل الجنة وملكوت الآخرة؟
· هل هي إنسان ، له روح يسري عليه الخلود ، أو هي نسمة فانية لا خلود لها؟
وفي القرن الخامس الميلادي اجتمع مجمع (ماكون) للبحث في مسألة: ( هل المرأة مجرد جسم لا روح فيه أم لها روح؟) وقد قرروا أنها خلو من الروح الناجية من عذاب جهنم.
وفي سنة 586 للميلاد – أي في أيام شباب النبي صلى الله عليه وسلم – عقد الفرنسيون مؤتمراً لبحث: ما إذا كانت المرأة إنساناً أم غير إنسان؟ فتوصلوا إلى أنها إنسان ، خُلقت لخدمة الرجل فحسب ، وكانوا يرون أن العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة نجس في نفسها ، ويجب أن تُتجنب ولو كانت عن طريق نكاح وعقد مشروع ، وأن العزب أكرم من المتزوج ، ويرون أن حياة العزوبة مقياس لسمو الأخلاق ، وعلوّ شأنها ، وقد عملوا جهدهم لأن يثبتوا في قلوب الناس الشعور ببشاعة العلاقة الزوجية ونجاستها ، وكان شائعاً بينهم أن الزوجين اللذين يبيتان معاً ليلة عيد من الأعياد لا يجوز لهما أن يشاركا القوم في رسومهم ومباهجهم ، وكأنما يرون أنهما اقترفا إثماً سلبهما حق المشاركة في حفل دين مقدس عندهم.
وقد بلغ من تأثير هذا التصور (الرهباني) أن تكدر صفو ما بين أفراد الأسرة والعائلة من الأواصر ، وحتى ما بين الأم وولدها ، إذ أضحت كل قرابة ، وكل سبب ناتج عن عقد الزواج يعد إثماً وشيئاً نجساً.
وكان من نتيجة وتأثير نظرتهم هذه إلى المرأة وإلى العلاقة الزوجية ، أن انحطت منزلة المرأة في المجتمع في كل ناحية من نواحي الحياة.
ونشير إلى أن ما كانت عليه المرأة عند أصحاب هاتين الديانتين (اليهودية والنصرانية) لا يحكي ما جاءت به شرائعهم السماوية الصحيحة.
فقد حرفوا وبدلوا في تلك الشرائع ، حسب أهوائهم ورغباتهم ، حتى صار ما عندهم منها يشك في نسبته إليها.
ولذا فما أوردناه عن مكانة المرأة عند أصحاب الديانتين ، هو ما كان سائداً في تلك المجتمعات بغض النظر عن صحة مطابقته لما جاء في شرائعهم الصحيحة.
