خامسًا: إخبار المصطفى صلى الله عليه وسلم بحوادث قبل أن تحدث ، وحدثت فعلاً في الواقع المشاهَد. ومن ذلك:
1- أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر الصحابة بالهجرة إلى يثرب قبل الهجرة وكانت على الوصف الذي ذكر.
2- ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر الصحابة بفتح مكة وبيت المقدس واليمن والشام والعراق.
3- أخبر صلى الله عليه وسلم أن الأمن سيعم الجزيرة حتى ترحل المرأة من الحيرة إلى مكة لا تخاف إلا الله تعالى. وقد حصل وأخبر به قديمًا بعض السلف.
4- أخبر أن خيبر تفتح على يد علي رضي الله عنه في غد يومه وقد حدث.
5- وأنهم يقسمون كنوز ملك فارس وملك الروم وقد تم.
6- وأن بنات فارس تخدمهم وقد رأيناه. وهذه الأمور كلها وقعت في زمن الصحابة رضي الله عنهم كما أخبر صلى الله عليه وسلم.
7- وأن قرن الصحابة مائة عام ، فمات آخرهم سنة (11. هجرية).
8- وأن الفتن لا تظهر مادام عمر حيًا ، وكان كما أخبر.
9- وأن عثمان يُقتل وهو يقرأ المصحف ، وقد قتل رضي الله عنه كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم.
وغير ذلك كثير.
سادسًا: ولكي يكون الناس على بينة من أمر هذا الرسول ، وأنه صادق في دعواه أنه مرسل من عند الله تعالى ولكي يكون الرسول قويًا في موقفه وقادرًا على إقناع الناس بصدق نبوته ورسالته ، لأن الناس سيطالبونه بالدليل على صدقه؛ لذا فقد أيد الله أنبياءه ورسله بالمعجزات ، والمعجزة هي: (حادث خارق للعادة ، والقوانين التي يلاحظها الناس ، وتجري عليها سنن الكون يجريها الله تعالى على يد النبي تأييدًا له) والمعجزات منها ما هو مادي مثل ناقة صالح وعصا موسى ، ومعجزات عيسى كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ونحوها ، ومنها ما هو معنوي وعقلي كالقرآن الكريم. ولأن محمداً صلى الله عليه وسلم هو آخر الأنبياء والمرسلين وخاتمهم فقد أجرى الله على يديه من المعجزات المادية والمعنوية والعقلية الشيء الكثير مما لا نستطيع ذكره وحصره في هذا المقام ولكن نذكر بعضًا منها: كانشقاق القمر ، ونبع الماء من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام ، وتكثيره الطعام والشراب ، وتكليمه للبهائم ، وإخباره بالأمور الغيبية ووقوعها كما أخبر عليه الصلاة والسلام ، وتسليم الأشجار والأحجار عليه ، وانقيادها له عليه الصلاة والسلام ، وشفاء المرضى على يديه وغير ذلك كثير. ونوصي هنا بالرجوع إلى كتاب معجزات النبي صلى الله عليه وسلم للحافظ أبي الفداء إسماعيل بن كثير ، على أن أعظم معجزاته صلى الله عليه وسلم الدالة على صدق نبوته ورسالته هي القرآن الكريم (وهو معجزة ذاتية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالرسالة وتتصل بماهيتها وتتعلق بجوهرها ، فهي معجزة يتقبلها العقل على الدوام لأنها تخاطب الفكر البشري ، وتعتمد على القناعة العقلية أكثر مما تعتمد على قرع الحواس الذي هو أصل المعجزات المادية). وأوجه الإعجاز في القرآن كثيرة فهو معجز لما اشتمل عليه من اللفظ العجيب ، والتركيب البلاغي البديع الذي تحدى به الإنس والجن أن يأتوا بمثله فعجزوا ، ثم تحداهم بعشر سور منه فعجزوا ثم تحداهم بسورة من مثله فعجزوا ، ومثل هذا التحدي لا يصدر إلا عن واثق بأن ما جاء به لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثله في فصاحته وبلاغته وتركيبه ، ولو كان من متقول من البشر لخاف ولما أظهره ، ولما أعلن التحدي خشية أن يفتضح أمره ويكذبه الناس كما أن القرآن معجز في اشتماله على علم ما كان وما يكون فقد تحدث عن الأمم السابقة وقصصها مع أنبيائها ، وتحدث عن أمور ستقع مستقبلاً فكانت كما أخبر ، وهذه كلها أمور معجزة خاصة وأن محمداً صلى الله عليه وسلم كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب ولم يطلع على كتب الأقدمين ولا على أخبارهم ، فكان إخبار هذا الأمي عليه الصلاة والسلام عن أخبار السابقين وأمور غيبية في آيات القرآن الكريم دليلاً قاطعاً على نبوته وصدق رسالته. كما أن القرآن الكريم معجز في أحكامه العادلة المشتملة على الحكم البالغة التي إذا تأملها ذو فهم وعقل صحيح قطع بأن هذه الأحكام إنما أنزلها العالم بالخفيات الرحيم بعباده فالقرآن كله معجز كلمه ولفظه وخبره وقصصه ونظمه وأحكامه ، وهو دليل عقلي ومادي قاطع على صدق نبوته ورسالته صلى الله عليه وسلم.
