العدوان على الآخرين أو حتى على النفس نتيجة طبيعية للإحساس الحاد بالإحباط واليأس من العدل ، وضعف القدرة على المقاومة وعلى احتمال المزيد من الظلم ، فهنا يتولد العنف ويتلاشى الاقتدار على ضبط النفس فيكون العدوان . أما محاولة الربط بين العدوان والعقيدة - وخاصة الإسلام - فهذا ليس من الإنصاف للرسالات السماوية - كل الرسالات السماوية - إلا ما أصابه التحريف منها . فالمسيحية مثلا تدعو أتباعها إلى تسامح نبيل يكاد يكون أقرب إلى المثالية حين يقول الإنجيل : من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر . وحين يقول أحبوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم . أما اليهودية - بحسب البروتوكولات والتلمود فإن الاعتداء على غير اليهودى لا اعتراض عليه ، بل ربما كان مباحا ومطلوبا . أما الإسلام فمنهجه الأساسى والشامخ الذى يتم التركيز عليه فى آيات كثيرة من القرآن الكريم تنهى كلها عن العدوان حتى فى القتال حيث يقول القرآن ( وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) . ويحذر المسلمين من أن يحملهم بغضهم لقوم أن يعتدوا فيقول : ( ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا ) . كما أن الإسلام فى حالة رد العدوان يشترط المثلية فى الرد دون تجاوز فيقول : ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) . ويقول : ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر ما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك فى ضيق مما يمكرون ) . وخارج النهى عن العدوان فإن القرآن يحث فى أكثر من أربعين آية على ضرورة التزام العدل فى كل وجوه التعامل حتى ولو كان لصالح الغريب على القريب فيقول : ( وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ) . إضافة إلى الأمر الدائم والمستمر والمتكرر فى دعوة المسلم إلى أن يخشى الله ويتقيه فى كل ما يأتى وما يدع بحيث يتذكر دائما أنه أمام إله سيحاسبه إذا عجز المخلوقون عن محاسبته وأيضا فإن الدعوة المتكررة إلى إيثار العفو والتسامح فى مثل قوله تعالى : ( وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم ) . كل هذه القيود والضوابط تحد من أى نزوع إلى العدوان فى النفس وتجعل المسلم الفاقه لأمور دينه أقرب إلى السماحة وأبعد عن العدوان . ومن ثم فلا علاقة مطلقا بين العنف والنزوع العدوانى وبين الجهاد لأن الجهاد حالة مؤقتة مرتبطة بأوضاع وظروف ليست هى أصل الحياة . ولعل هذا ما جعل الإسلام يعتبر السلام هو الأصل والحرب ضرورة يفرضها الحرص على حماية الأرض من الفساد وأيضا هى ضرورة لحماية الرسالات السماوية - كل الرسالات - كما أشارت لذلك الآيتان الكريمتان : ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ). وقوله تعالى ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ) . وما دام الجهاد الحرب فى الإسلام حالة ضرورة لحماية الأرض من الفساد وأيضا لحماية رسالات السماء - كل الرسالات - كما نصت الآية : صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله . فلا يجوز بحال اعتباره عدوانا على الآخرين بل هو فى حقيقته دفع لعدوان واقع .
وَُيرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا(يَابَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمْ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ)
