بقلم الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الخالق
لا يوجد أمة عندها من الاختلاف في دينها كما عند النصارى في دينهم، وخلافهم لا يكاد ينحصر، وقد بدأ حول شخص المسيح عيسى بن مريم -عليه السلام-، وحقيقة الرب سبحانه وتعالى، وروح القدس، وتشعب إلى كل فروع دينهم، ولا يوجد فرقة منهم إلا وهي تكفر الأخرى، وتلعنها.
1- الموحدون:
فمنهم من قال إن المسيح عيسى بن مريم هو رسول الله فقط لم يزد على أنه رسول الله خلق بأمر الله، وكلمته كن، وهو روح الله، أيده بالمعجزات، وأرسله إلى بني إسرائيل، يدعوهم إلى الإيمان بالله، وتوحيده، وعبادته، وهذه عقيدة النصارى الأول الذين سلط قياصرة الروم العذاب عليهم، وأحرقوا كتبهم، وأناجيلهم، واضطهدوهم حتى أبادوهم إلا قليلاً، وهذه الطائفة المؤمنة هي التي يوافق اعتقادها اعتقاد أهل الإسلام، وما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وهم الذين أثنى الله عليهم في القرآن كقوله تعالى: {فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله، قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين}.
فالحواريون الذين وصفهم الله بأنهم (أنصار الله)، والفئة التي آمنت من بني إسرائيل وأظهرها الله بحجتها، ودعوتها إلى التوحيد هم المؤمنون حقاً بعيسى بن مريم -عليه السلام-.
ولقد تناقضوا بعد عيسى إلى ظهور النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك للاضطهاد العظيم الذي وقع عليهم، وخاصة بعد أن دخل قسطنطين القيصر الروماني في النصرانية وفرضها في ممالك الدولة الرومانية الواسعة ولكنها فرضها -يوم فرضها- وثنية إلحادية كافرة كما جاء في مجمع نيقية الأول المنعقد في سنة 325م، والذي وضع فيه (الأمانة النصرانية) التي هي في حقيقتها أعظم خيانة لدين المسيح -عليه السلام- حين غير الدين الحق عقيدة، وشريعة، وفرض ديناً باطلاً يقول بأن المسيح إله حق من إله حق وجد مع الأب منذ الأزل.
اندراس التوحيد والدين الحق بسبب الاضطهاد وإحراق الكتب:
وبفعل الاضطهاد الشديد للقائلين بالتوحيد، ومنكري ألوهية المسيح بدأ الدين الصحيح يندرس شيئاً فشيئاً، فقد أحرقت الأناجيل الصحيحة، وكتب هذه الطائفة، وفرض الدين الباطل بقوة السلاح والقانون.
وهكذا بدأ يتناقض أهل الإيمان الصحيح من النصارى حتى إذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن قد بقي منهم إلا عدد قليل كما قال صلى الله عليه وسلم: [إن الله نظر إلى أهل الأرض قبل أن يبعثني فمقتهم عربهم، وعجمهم إلا غبرات من أهل الكتاب].
ومن هؤلاء الذين أدركهم الإسلام، وكانوا على الحق النجاشي ملك الحبشة الذي تليت عليه الآيات الأولى من سورة مريم في شأن عيسى -عليه السلام- فأخذ عوداً من القش وقال: لم يزد عيسى بن مريم على هذا ولا مثل هذه (أي العود)، فأنكرت بطارقته ذلك.
ولكنه بقي مؤمناً موحداً، ومات على ذلك، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه يوم مات.
2- مقالة آريوس:
ومنهم من رأى أنه ابن الله، ولكنه مخلوق مصنوع، وهذه مقالة آريوس الذي كان يقول: (الأب وحده الله، والإبن مخلوق مصنوع، وقد كان الأب ولم يكن الإبن)، واتبع مقالة آريوس جمع عظيم من النصارى في مصر، وفلسطين، ومقدونية، والقسطنطينية ولكن بطريرك الإسكندرية عمد إلى لعن آريوس هذا، وطرده وزعم أنه رأى المسيح في النوم مشقوق الثوب فقال له: يا سيدي من شق ثوبك؟ فقال له: آريوس!! وبهذه الرؤيا المكذوبة أصدر حكمه بوجوب طرد آريوس، ولعنه وإخراجه من الكنيسة، ولكن آريوس لم يستسلم واستمر في نشر دعوته في أماكن كثيرة وزاد أتباعه في كل مكان.
اختلاف النصارى حول حقيقة المسيح وعقد مؤتمر نيقية سنة 325م:
ومن أجل ذلك عقد قسطنطين مؤتمر نيقية سنة 325م من أجل الرد على مقالة آريوس.
يقول ابن البطريق:
(بعث الملك قسطنطين إلى جميع البلدان، فجمع البطاركة، والأساقفة، فاجتمع في مدينة نيقية ثمانية وأربعون وألفان من الأساقفة، وكانوا مختلفين في الآراء، والأديان، فمنهم من كان يقول إن المسيح وأمه إلهان من دون الله، وهم البربرانية، ويسمون الريميتين، ومنهم من كان يقول: إن المسيح من الأب بمنزلة شعلة نار، فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية منها، وهي مقالة سابليوس، وشيعته، ومنهم من كان يقول لم تحبل به مريم تسعة أشهر، وإنما مر في بطنها كما يمر الماء في الميزاب، لأن الكلمة دخلت في أذنها، وخرجت من حيث الولد من ساعتها، وهي مقالة البيان وأشياعه.
ومنهم من كان يقول إن المسيح إنسان خلق من اللاهوت كواحد منا في جوهره، وإن ابتداء الإبن من مريم، وإنه اصطفي ليكون مخلصاً للجوهر الأنسر صحبته النعمة الإلهية، وحلت فيه بالمحبة والمشيئة، ولذلك سمي ابن الله، ويقولون إن الله جوهر قديم واحد، وأقنوم واحد، ويسمونه بثلاثة أسماء، ولا يؤمنون بالكلمة، ولا بروح القدس، وهي مقالة بولس الشمشاطي بطريرك أنطاكية، وأشياعه، وهم البوليقانيون، ومنهم من كان يقول إنهم ثلاثة آلهة لم تزل، صالح، وطالح، وعدل بينهما، وهي مقالة مرقيون اللعين وأصحابه، وزعموا أن مرقيون هو رئيس الحواريين، وأنكروا بطرس، ومنهم من كان يقول بألوهية المسيح وهي مقالة بولس الرسول ومقالة الثلاثمائة وثمانية عشرة أسقفاً. أ.هـ
ولما وجد قسطنطين أنهم مختلفون في حقيقة المسيح على هذا النحو، اختار من المجتمعين ثلاثمائة وثمانية أسقفاً من الذين ارتضى مقالتهم في ألوهية المسيح، وعقد لهم مجلساً خاصاً، وأصدروا القرارات التي أعلنت ألوهية المسيح -عليه السلام- أنه موجود في الأزل من جوهر أبيه، وأصدروا ما سموه (بالأمانة) المسيحية، وقد كان هذا -كما أسلفنا- أعظم خيانة للدين الذي بعث به المسيح -عليه السلام-.
وهكذا استطاع قسطنطين أن يجعل دين القلة وهم الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفاً هو الدين الرسمي، وينفي ويضطهد الكثرة المخالفة لألوهية المسيح، وزاد قسطنطين أن أعطى خاتمه، وسيفه إلى هؤلاء، وسلطهم على من يخالفهم في الاعتقاد، هذا مع أن قسطنطين هذا لم يعلن الدخول في المسيحية إلا وهو على فراش الموت.
وهكذا نشأ الحكم الكهنوتي الذي يحتكر فهم الدين، وتفسيره، ويحرم من الجنة من يخالفه، ويطرد من الكنيسة والنصرانية ما يضاده، وكان هذا من أعظم البلاء على دين النصرانية حيث فرض عليهم الإنحراف، والخروج على تعاليم المسيح -عليه السلام-، وأمر هذا المجمع بتحريق جميع الكتب التي تخالف العقيدة التي خرج بها مجمع نيقية.
وهذا هو نص ما سماه النصارى (بالأمانة) وهي القرارات التي خرج بها المجمع الأول:
(الأمانة) النصرانية:
1- نؤمن بإله واحد، الله الأب، ضابط الكل، خالق السماوات والأرض، ما يرى وما لا يرى.
2- ونؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الأب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساو للأب في الجوهر، الذي به كان كل شيء.
3- الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاص نفوسنا نزل من السماء، وتجسد من الروح القدس، ومن مريم العذراء تأنّس.
4- وصلب عن البشر على عهد بيلاطس البنطي، وتألم، وقبر.
5- وقام من الأموات في اليوم الثالث كما في الكتب.
6- وصعد إلى السماوات وجلس على يمين الأب.
7- وأيضاً يأتي في مجده ليدين الأحياء، والأموات، الذي ليس لملكه انقضاء.
ولأن هذه (الأمانة) هي خلاصة المعتقد الذي فرضته الكنيسة المؤيدة بالسلطان، وجعلت من لا يؤمن بها كافراً خارجاً من دين المسيحية، فإنها فرضت كذلك تلاوته في بداية كل قداس وصلاة، وفرضت حفظها وتلاوتها على كل مسيحي.
الخلاف حول روح القدس ومقالة (مقدونيوس):
خرج مجمع نيقية الأول سنة 325م كما ذكرنا بألوهية المسيح، ولم يتعرض لحقيقة روح القدس، وقام في النصارى من يقول إن روح القدس ليس بإله وإنما الإله هو الأب والإبن فقط -في زعمهم- وكان صاحب هذه المقالة رجل يقال له (مقدونيوس)، فخشي أصحاب التأليه منهم أن تنتشر هذه المقالة، وتمتد إلى القول بأن المسيح كذلك مخلوق مصنوع، فعقد من أجل ذلك مجمع في مدينة القسطنطينية، اجتمع فيه (150) مائة وخمسون أسقفاً، وقام فيهم بطريرك الإسكندرية (ثيموثاوس) قائلاً:
(ليس لروح القدس عندنا معنى إلا أنه روح الله، وليس روح الله شيئاً غير حياته، فإذا قلنا روح القدس مخلوق فقد قلنا إن حياته مخلوقة، وإن قلنا إن حياته مخلوقة فقد زعمنا أنه غير حي، وإذا زعمنا أنه غير حي فقد كفرنا به، ومن كفر به وجب عليه اللعن).
واتفق الحاضرون بعد هذه المقالة على لعن (مقدونيوس) الذي قال بأن روح القدس مخلوق، وليس هو الإله، وطردوا كذلك جميع البطاركة الذين يقولون بمقالته.
وزاد الحاضرون على ما يسمونه بالأمانة التي خرجت عن المجمع الأول: (ونؤمن بروح القدس الرب المحيي المنبثق من الأب الذي هو مع الأب والإبن وروح القدس ثلاثة أقانيم وثلاثة وجوه، وثلاثة خواص وحدية في التثليث وتثليث في وحدية، كيان واحد في ثلاث أقانيم، إله واحد، جوهر واحد، طبيعة واحدة).
ولا يخفى ما في هذه الأقوال من التخبط والضلال، والمقصود هنا بيان الاختلاف في دينهم، وعقيدتهم.
ومثل هذا الكلام الذي لا يستند إلى نص في الإنجيل، أو التوراة، ولا إلى عقل صحيح يفرق بين الخالق والمخلوق، وبين الرب الإله خالق السماوات والأرض، وبين مخلوقاته، ومصنوعاته، ومخترعاته كروح القدس الذي هو جبريل، وعيسى -عليه السلام- الذي خلقه من أنثى بلا ذكر، أقول مثل هذا الكلام ما كان ليجتمع الناس عليه إلا بالتقليد، والإرهاب، وهذا ما فعلته الكنيسة.
مقالة نسطور ومجمع أفسس الأول سنة 431م: