أ- يسوع يطرد روحاً نجساً:
(ونزل إلى كفر ناحوم، وهي مدينة بمنطقة الجليل، وأخذ يعلم الشعب أيام السبت، فذهلوا من تعليمه، لأن كلمته كانت ذات سلطة، وكان في المجمع رجل يسكنه روح شيطان نجس، فصرخ بصوت عال: "آه! ما شأنك بنا يا يسوع الناصري؟ أجئت لتهلكنا؟ أنا أعرف من أنت: أنت قدوس الله". فزجره يسوع قائلاً: "إخرس، واخرج منه". وإذ طرحه الشيطان في الوسط، خرج منه، ولم يصبه بأذى، فاستولت الدهشة على الجميع، وأخذوا يتساءلون فيما بينهم: "أي كلمة هي هذه؟ فإنه بسلطة وبقدرة يأمر الأرواح النجسة فتخرج!" وذاع صيته في كل مكان من المنطقة المجاورة) (ومثل هذا العمل يقوم به اليوم وأمس ألوف من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولا يدعي لهم أحد نبوة، ولا ألوهية أو ربوبية).
ب- يسوع يشفي الله على يديه كثيرين:
(ثم غادر المجمع، ودخل بيت سمعان، وكانت حماة سمعان تعاني حمى شديدة، فطلبوا إليه إعانتها، فوقف بجانب فراشها، وزجر الحمى، فذهبت عنها، فوقفت في الحال، وأخذت تخدمهم، ولما غربت الشمس، أخذ جميع الذين كان عندهم مرضى مصابون بعلل مختلفة يحضرونهم إليه، فوضع يديه على كل واحد منهم، وشفاهم، وخرجت أيضاً شياطين من كثيرين، وهي تصرخ قائلة: "أنت ابن الله"، فكان يزجرهم، ولا يدعهم يتكلمون، إذ عرفوا أنه المسيح.
ولما طلع النهار خرج، وذهب إلى مكان مقفر، فبحثت الجموع عنه حتى وجدوه، وتمسكوا به لئلا يرحل عنهم، ولكنه قال لهم: "لا بد لي من أن أبشر المدن الأخرى أيضاً بملكوت الله، لأني لهذا قد أرسلت". ومضى يبشر في مجامع اليهودية) (لوقا 4/31-44).
ومن الأدلة في هذا النص على عبودية المسيح لله، وأنه رسول الله ما يأتي:
1- قول الشيطان لعيسى عليه السلام: (ما شأنك بنا يا يسوع الناصري).. فقد نسبه إلى بلدته، وأقره عيسى على ذلك، ومثل هذا المنسوب إلى بلدة لا يكون إلهاً، ورباً، وخالقاً..
2- قول الشيطان له: (أنت قدوس الله)، وإقرار عيسى لذلك، والمعنى أنت مقدس من قبل الله سبحانه وتعالى، ولا شك أن عيسى مقدس لأن الله سبحانه وتعالى قدّسه، وطهّره، وزكّاه، والذي يقدسه الله لا يكون هو الله.
3- قول الشياطين له (أنت ابن الله) لا تعني أنه جزء منه، وأنه ولده نسباً وصهراً كما ذكرنا ذلك مراراً، وإنما هذا جار على عادتهم في استعمال هذا اللفظ.
4- قال عيسى في النهاية: (لا بد لي أن أبشر المدن الأخرى بملكوت الله لأني لهذا أُرسِلْتُ) نص واضح جلي على أنه رسول مرسل من الله سبحانه وتعالى، وأنه لم يأت بنفسه.
5- قول راوي الإنجيل (ومضى يبشر في مجمع اليهودية) أي أنه رسول إلى بني إسرائيل كما قال تعالى في القرآن عنه: {ورسولاً إلى بني إسرائيل}.. الآية.
4- الجميع يشهدون بأن عيسى عليه السلام نبي الله بعد أن رأوا معجزاته:
وهذا نص آخر يبين أن الشعب اليهودي الذي أرسل إليهم عيسى -عليه السلام- شهد كثير منهم له بالنبوة بعد أن رأوا ما أجرى الله على يديه من المعجزات.
ج- يسوع يحيي ابن الأرملة:
"وفي اليوم التالي ذهب إلى مدينة اسمها نايين، يرافقه كثيرون من تلاميذه وجمع عظيم، ولما اقترب من باب المدينة، إذا ميت محمول، وهو ابن محمول، وهو ابن وحيد لأمه التي كانت أرملة، وكان معها جمع كبير من المدينة، فلما رآها الرب، تحنَّن عليها، وقال لها: "لا تبكي!" ثم تقدم، ولمس النعش، فتوقف حاملوه، وقال: "أيها الشاب لك أقول: قم!" فجلس الميت، وبدأ يتكلم، فسلَّمه إلى أمه، فاستولى الخوف على الجميع، ومجدوا الله قائلين: "قد قام فينا نبي عظيم وتفقد الله شعبه!" وذاع هذا الخبر عنه في منطقة اليهودية كلها، وفي جميع النواحي المجاورة" (إنجيل لوقا 7/11-17).
الأدلة من هذا النص على أن عيسى عليه السلام هو رسول الله، وليس هو الله:
والشاهد في هذا النص أن عيسى -عليه السلام- بعدما أحيا الله على يديه هذا الميت الذي يذكر إنجيل لوقا أنه ابن وحيد لامرأة أرملة أن جميع الناس الحاضرين مجدوا الله قائلين:
(قد قام فينا نبي عظيم، وتفقد الله شعبه) ولست أرى أصرح من هذا الدليل على بشرية عيسى، وأنه عبد رسول، فإنه بعد أن أحيا هذا الميت استطاع جميع الحاضرين أن يفرقوا بين الله، وبين عيسى فمجدوا الله سبحانه وتعالى خالق السماوات، والأرض وشهدوا لعيسى عليه السلام بالنبوة، وشكروا الله إذ أرسل في بني إسرائيل نبياً، ويسمون أنفسهم شعب الله إذ أن الله (تفقده) أي اهتم به، ونظر إليه بعين رحمته، وأرسل فيهم نبياً جديداً، وانظر قول الإنجيل: (قد قام فينا نبي عظيم، وتفقد الله شعبه).
وانظر كيف أقرهم عيسى على هذا القول، وكيف ذاع خبر ذلك في كل مكان..، ولو كان عيسى هو الرب الإله الخالق المحيي المميت لقال للجمع: (انظروا هكذا أحيي الموتى، فإني أنا الرب الإله)، ولم يوافقه على قولهم: "قد قام نبي عظيم وتفقد الله شعبه".
5- الأناجيل تشهد جميعها أن عيسى عليه السلام كان رسولاً داعياً إلى الله:
من يقرأ الأناجيل المعتمدة من النصارى يجد أنها تشهد لعيسى أنه رسول الله الداعي إليه، ولو كان إلهاً، ورباً، وخالقاً للسماوات، والأرض كما يزعمون لما كان رسولاً داعياً إلى الله، بل كان داعياً لنفسه، أو قائلاً لهم: إنني أنا الله خالق السماوات والأرض أدعوكم أن تعبدوني، وتسجدوا لي، وتعظموني، وتسبحوا بحمدي، ولا يوجد قط في الأناجيل دعوة كهذه، بالنص، ولا بالمعنى، بل ليس فيها إلا أنه نبي رسول من الله، ومن ذلك:
1- ففي إنجيل متّى: الفصل الرابع:
أ- بدء خدمة يسوع:
ولما سمع يسوع أنه قد ألقي القبض على يوحنا، عاد إلى منطقة الجليل، وإذ ترك الناصرة، توجه إلى كفر ناحوم الواقعة على شاطئ البحيرة ضمن زبولون، ونفتاليم، وسكن فيها، ليتم ما قيل بلسان النبي إشعياء القائل: "أرض زبولون، وأرض نفتاليم على طريق البحيرة ما وراء نهر الأردن، بلاد الجليل التي يسكنها الأجانب - الشعب الجالس في الظلمة، أبصر نوراً عظيماً، والجالسون في أرض الموت، وظلاله، أشرق عليهم نور!".
من ذلك الحين بدأ يسوع يبشر قائلاً: "توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات!" (إنجيل متّى: الفصل الرابع).
الأدلة من هذا النص:
وهذا النص واضح في أن عيسى بدأ الخدمة هكذا، أي بدأ في العمل للدعوة إلى ربه سبحانه وتعالى ومولاه بعد أن سمع بالقبض على يحيى -عليه السلام- ويحيى هو المسمى عند النصارى (بيوحنا المعمدان)، وقول عيسى للناس الذين يدعوهم إلى الله: "توبوا، فقد اقترب ملكوت السماوات"، أي ارجعوا أيها الناس إلى الله فقد اقترب وعد الله بتمكين أهل الإيمان في الأرض، وهو ما يعبر عنه بملكوت السماوات، أو مملكة الله، ولا شك أن ذلك قد تحقق بحمد الله على يد النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم الذي بعث الله نبيه عيسى مبشراً به كما قال تعالى في القرآن: {وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين} (الصف:6)
ب- نماذج من كلمات عيسى عليه السلام في دعوته إلى الله:
وهذه نماذج من مواعظ عيسى عليه السلام، ودعوته كما جاء في إنجيل متّى: (طوبى للمساكين بالروح، فإن لهم ملكوت السماوات، طوبى للحزانى، فإنهم سيعزّون، طوبى للودعاء، فإنهم سيرثون الأرض، طوبى للجياع، والعطاش إلى البرّ، فإنهم سيشبعون، طوبى لأنقياء القلب، فإنهم سيرون الله، طوبى لصانعي السلام، فإنهم سيدعون أبناء الله، طوبى للمضطهدين من أجل البرّ، فإن لهم ملكوت السماوات، طوبى لكم متى أهانكم الناس واضطهدوكم، وقالوا فيكم من أجلي كل سوء كاذبين، افرحوا وتهللوا، فإن مكافأتكم في السماوات عظيمة، فإنهم هكذا اضطهدوا الأنبياء من قبلكم!).
ج- ملح الأرض ونور العالم:
"أنتم ملح الأرض، فإذا فسد الملح، فماذا يعيد إليه ملوحته؟ إنه لا يعود يصلح لشيء إلا لأن يطرح خارجاً ليدوسه الناس!
أنتم نور العالم، لا يمكن أن تخفي مدينة مبنية على جبل؛ ولا يضيء الناس مصباحاً ثم يضعونه تحت مكيال، بل يضعونه في مكان مرتفع ليضيء لجميع من في البيت هكذا، فليضيء نوركم أمام الناس، ليروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات".
بقلم الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الخالق
