ذكر إنجيل لوقا أن عيسى عليه الصلاة والسلام بدأ (معموديته) على يد يوحنا المعمدان (يحيى بن زكريا عليهما السلام)، وأنه بينما كان يصلي (هكذا) انفتحت السماء، وهبط عليه روح القدس متخذاً هيئة جسمية مثل حمامة، وانطلق صوت من السماء يقول: "أنت ابني الحبيب بك سررت كل سرور" (لوقا 3/21).
وبالرغم من أن هذا كله حكاية، وليس كلاماً منزلاً من الله سبحانه وتعالى كما نرى، ولا هو مروي، أو منقول من قول عيسى -عليه السلام-، ومعلوم أن لوقا كاتب هذا الإنجيل لم يكن أيضاً تلميذاً للمسيح عليه السلام..، بالرغم من كل هذا فإن هذا النص يدل دلالة قطعية على أن عيسى لم يكن إلا رسولاً نزل عليه الوحي، وليس هو ابن الله نسباً، أو ذاتاً، أو أقنوماً كما ادعت النصارى بعد ذلك، وهذه هي الأدلة:-
1- ذكره أن عيسى تعمد.. والرب لا يَتَعَمَّدُ (أي يؤهل ليدخل في خدمة الله وعبادته) فكيف يتعمد الرب؟.. ألعبادة نفسه؟!! أم لعبادة أبيه؟! أم لعبادة ذاته؟!! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً..
2- قوله: (بينما كان يصلي)، والرب لا يصلي لأحد، لأنه هو المعبود سبحانه وتعالى.
3- قوله: (هبط عليه روح القدس مثل حمامة) يدل على أن روح القدس هذا هو الملاك الذي ينزل على الأنبياء، وليس أقنوماً، ولا جزءاً من الله كما ادعت النصارى، وهذا إبطال لقولهم إن الله ثالث ثلاثة لأنه لو كان روح القدس الذي كان مثل حمامة جزءاً من الله -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً-، وكان المسيح جزءاً آخر، وكان الله في السماوات جزءاً ثالثاً، كما تدعي النصارى لكان هذا من أبطل الباطل، لأنه ليس إلا رب واحد، تعالى أن يكون له جزء، كما قال تعالى في القرآن الكريم: {وجعلوا له من عباده جزءاً إن الإنسان لكفور مبين}.
فكيف يدعي النصارى -وهذه مقالتهم في الشرك، والتثليث- أنهم يؤمنون بوحدانية الله سبحانه وتعالى؟!!
4- لو فرضنا أن من روى هذا الإنجيل سمع النداء الذي انطلق من السماء يقول: (أنت ابني الحبيب بك سررت كل سرور). فإن هذا لا يعني بحال أن عيسى بن مريم –عليه السلام- جزء منه، تعالى الله سبحانه وتعالى عما يقولون المبطلون علواً كبيراً وإنما كما يطلقون على الله بأنه الأب فيقولون (أبانا الذي في السماوات)، وكما يذكرون أن عيسى قال لهم مراراً

أبي، وأبيكم) فلماذا لا يكون معنى البنوة هنا بنوة الرحمة والتعليم والإرسال؟
وبعد هذا النص السابق ساق الإنجيل هذا النص تحت عنوان:
الناصرة ترفض يسوع:
(وعاد يسوع إلى منطقة الجليل بقدرة الروح، وذاع صيته في القرى المجاورة كلها، وكان يعلم في مجامع اليهود، والجميع يمجدونه، وجاء إلى الناصرة حيث كان قد نشأ، ودخل المجمع كعادته يوم السبت، ووقف ليقرأ، فقدم إليه كتاب النبي أشعياء، فلما فتحه وجد المكان الذي كتب فيه: "روح الرب علي، لأنه مسحني لأبشر الفقراء؛ أرسلني لأنادي للمأسورين بالإطلاق، وللعميان بالبصر، لأطلق المسحوقين أحراراً، وأبشر بسنة القبول عند الرب". ثم طوى الكتاب وسلمه إلى الخادم، وجلس، وكانت جميع عيون الحاضرين في المجمع شاخصة إليه، فأخذ يخاطبهم قائلاً: "اليوم تم ما سمعتم من آيات..". وشهد له جميع الحاضرين، متعجبين من كلام النعمة الخارج من فمه، وتساءلوا: "أليس هذا ابن يوسف؟"، فقال لهم: "لا شك أنكم تقولون لي هذا المثل: أيها الطبيب اشف نفسك! فاصنع هنا في بلدتك ما سمعنا أنه جرى في كفر ناحوم.." ثم أضاف: "الحق أقول لكم: كان في إسرائيل أرامل كثيرات في زمان إيليا، حين أغلقت السماء ثلاث سنين وستة أشهر حتى حدثت مجاعة عظيمة في الأرض كلها؛ ولكن إيليا لم يرسل إلى أية واحدة منهن بل إلى امرأة أرملة في صرفة صيدا، وكان في إسرائيل، في زمان النبي أليشع، كثيرون مصابون بالبرص; ولكن لم يطهر أي واحد منهم، بل نعمان السوري!" فامتلأ جميع من في المجمع غضباً لما سمعوا هذه الأمور، وقاموا يدفعونه إلى خارج المدينة، وساقوه إلى حافة الجبل الذي بنيت عليه مدينتهم ليطرحوه إلى الأسفل، إلا أنه اجتاز من وسطهم، وانصرف) (لوقا 4/14-30).
وفي هذا النص من الأدلة على عبودية المسيح ما يأتي:
1- قوله: (وعاد يسوع إلى منطقة الجليل بقدرة الروح) فيه دليل أنه ليس الله أو ابن الله كما يدعون، وأن له قدرة إلهية من ذات، وهنا يقول بأنه عاد إلى الجليل بقدرة الروح أي أن الملك أعانه ليذهب إلى الجليل، ومن في حاجة إلى الملك لا يكون رباً ولا إلهاً، ولا خالقاً، ولا قادراً بنفسه.
2- قول عيسى -عليه السلام- لمن كان يعلمهم ويعظهم في مجمع الناصرة: (اليوم تم ما قد سمعتم من آيات)، أي أنه تحقق وعد الله الذي جاء على لسان النبي أشعياء، والنص هو: (روح الرب عليّ، لأنه مسحني لأبشر الفقراء، وأرسلني لأنادي للمأسورين بالإطلاق، وللعميان بالبصر، لأطلق المسجونين أحراراً، وأبشر بسنة القبول للرب)..
هل هناك ما هو أصرح من هذا النص في أن عيسى هو رسول الله الذي بشرت به الأنبياء فالنص يقول: (روح الرب عليّ): أي وحي الله إلى طريق الله روح القدس وانظر فلم يقل روح الرب هي ذاتي، أو أقنومي، أو جزئي، أو نفسي، ومعنى (مسحني لأبشر الفقراء): أي جعلني مسيحياً، والمسيح سواء أريد به من يمسح بالزيت على عادة بني إسرائيل عندما يتنبأ منهم نبي، أو المسيح من المسح وهو المحو للشرك، والكفر، أو غير ذلك فالمعنى على كل حال بمعنى النبوة والرسالة وليس بمعنى الألوهية والربوبية.
ثم قوله: (أرسلني لأنادي للمأسورين بالإطلاق.. الخ) دليل على أنه نبي مرسل، وليس هو الرب، أو ابنه النازل إلى البشر، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
3- لقد كان رد أبناء بلده (الناصرة) على عيسى -عليه السلام- رداً في منتهى السوء، والقباحة، والإفك، فبدلاً من الاعتراف برسالته، ونبوته إذا بهم يسبونه في عرضه، ويتهمونه أنه (ابن زنا)!!!
حاشاه -عليه الصلاة والسلام- فيقول له هؤلاء المجرمون: (أليس هذا ابن يوسف؟) يوسف النجار الذي كما ذكر خطيباً لمريم –عليها السلام- قبل أن ينزل عليها ملاك الرب، ويبشرها بعيسى عليه السلام كما جاء في القرآن الكريم: {فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً، قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً، قال إنما رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً}..
وهؤلاء المجرمون من اليهود أبناء بلدته الذين جاءوا ليستمعوا إلى مواعظه في الهيكل ردوا عليه هذا الرد عندما قال لهم: (إنه مسيح الرب الذي جاء ليفتح الله به آذاناً صماً، وقلوباً عمياً، ويفك أسر المأسورين من معاصيهم، والذين قيدهم الشيطان بخطاياهم، ويبشرهم بمغفرة الذنوب) لقد كان ردهم على هذه الدعوة الكريمة أن قالوا: (أليس هذا ابن يوسف؟) متهمين إياه.. ولما قالوا له هذا القول الفاجر الآثم، وأنكروا عصمته، وعصمة أمه، وأنكروا نبوته بعد أن شاعت في كل بلدان اليهودية، عند ذلك ردّ عليهم قائلاً: (لا كرامة لنبي في بلده)!!، (وما من نبي يقبل في بلده)!! (لا يكون النبي بلا كرامة إلا في بلدته وبيته) (إنجيل متى 13/58) .
ثم بين لهم أن أهله، وأولى الناس به من يقبلونه، ويؤمنون برسالته، وأخبرهم أن نبي الله إيليا لم يشفع وقت المجاعة إلا إلى أرملة غير إسرائيلية، وأن أليشع لم يشفع في شفاء مريض إلا مريضاً سورياً غير إسرائيلي..: (نعمان السوري)، وأخبرهم أن رحمة الله برسالة عيسى قد لا تصيب إلا من هم خارج بني إسرائيل، وأن ما يمكن أن يجريه الله على يديه من خير قد يحوزه غير أبناء بلده (الناصرة) التي كفرت به!! ولما سمع أبناء بلده هذا الكلام كان من شأنهم أن أخرجوه منها، (وساقوه إلى حافة الجبل الذي بنيت عليه مدينتهم ليطرحوه إلى أسفل).
وكل هذا النص شواهد أنه لم يقل إني إله، وإنما قال لهم فقط: إنني نبي، ولا كرامة لنبي في بلده، فلماذا لم يقل لهم: (أنا ربكم وخالقكم)..؟
وهل كان يليق بالرب أن يقول له أهل بلدته (هكذا)؟! أنت ابن زنا.. وهل ينزل الرب سبحانه وتعالى من السماء ليقول له البشر الذي خلقهم ورزقهم: (ألست ابن يوسف النجار؟).. سبحانك ربنا لا إله إلا أنت أستغفرك، وأتوب إليك، وأعتذر لك حتى ترضى من ذكر هذا الكفر، وسبحانك لا أحد أصبر على أذى منك وحدك!!. يدّعون لك الولد، وأنت ترزقهم، وتعافيهم، لا إله إلا أنت، سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك!! وتعاليت عما يقول المجرمون الظالمون علواً كبيراً.
4- وهل ينزل الرب من عليائه سبحانه وتعالى ليقبض عليه أهل بلدته (هكذا)، ثم (يدفعونه إلى خارج المدينة، ويسوقونه إلى حافة الجبل ليطرحوه).. هل من يفعل به هكذا يكون رباً إلهاً خالقاً للسماوات والأرض؟! وهل يليق بالرب ذلك؟!
3- معجزات عيسى عليه السلام لا تدل إلا على أنه نبي مرسل مؤيد بالمعجزات:
لا يوجد في الأناجيل كلها رغم ما نالها من التحريف، والخطأ نص واحد يقول فيه عيسى عليه السلام أنه الله، أو أنه ابن الله بنوة نسب، وولادة، وجزء (تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً).
أو أن ذاته ذات الله، وفعله فعله، أو أن مشيئته مساوية لمشيئة الرب، أو أنه خالق، أو رازق أو مصور، بل الموجود على العكس من ذلك تماماً، ولو كان عيسى إلهاً، ورباً، وخالقاً، ورازقاً كما يدعي الضالون لأظهر ذلك، وقاله إذ أن مثل ذلك هو الاعتقاد.. ألا نرى إلى قول الله سبحانه وتعالى في القرآن وهو يذكر عن نفسه جل وعلا أنه هو الخالق، والرازق، والبارئ، والمصور، والذي بيده الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله، وأن له كان صفات المجد، والألوهية، والربوبية لا ينازعه أحد، ولا يشاركه مشارك، وليس لأحد معه من الأمر شيء، بل لا يملك أحد من كل خلقه ملائكة، وإنساً، وجناً، لنفسه من أمره خيراً، ولا شراً إلا بمشيئة الرب الواحد سبحانه وتعالى.
وعيسى -عليه السلام- لم يدّع شيئاً من ذلك قط، ولا خلع على نفسه قط صفة من صفات الألوهية، والربوبية، بل تكلم بضد ذلك تماماً ذكر أنه عبد يصلي، ولا مشيئة له مع مشيئة من أرسله، وأظهر دائماً من الضعف، والعجز، والخوف، والتبرء من الحول، والطول ما يظهر لكل ذي عينين أنه عبدالله ورسوله، وليس ابن الله، أو الله، أو أن له شركة مع الله في شيء من صفاته قط، وعامة ما روته الأناجيل، وتمسك به الضالون في إدعاء ربوبية المسيح -عليه السلام- بعض المعجزات والبركات، والكرامات التي أظهرها الله على يديه كإحياء بعض الموتى، وشفاء من لهم آفات وعاهات دائمة يعجز الطب عنها، وإخراج بعض الأرواح الشريرة، والشياطين التي تتلبس بعض الناس، وقد أفاضت الأناجيل بخاصة في قضية تخليص بعض الناس التي تلبست بهم الشياطين، علماً بأن هذا الأمر يجري على يد أناس بسطاء من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بل ذكر عن بعض سادة هذه الأمة الإسلامية كالإمام أحمد بن حنبل أن الشياطين كانت تخرج ممن تلبست به بمن يأمرها بإسمه دون أن يتكلف عناء الذهاب إلى المريض بنفسه، أو حتى نقله إليه، وهناك من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من أخرج آلافاً من هذه الشياطين من جسوم المرضى، والذين يؤذنهم، ويصرعونهم.. وأما إحياء الموتى فقد كان على يد كثير من الأنبياء قبل عيسى -عليه السلام- كما جاء في قتيل بني إسرائيل على عهد موسى، وطيور إبراهيم، وأما شفاء الأمراض المستعصية فهي معجزة لهذا النبي الكريم، وقد جاء وصفه في القرآن: {وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً}، فعيسى رسول مبارك، ومن بركته ما أجرى الله على يديه من الخير والبركة للناس في الدنيا كشفاء من شفي من المرض، والخير والبركة في الآخرة كالدعوة إلى الإيمان، والتوحيد، وابتغاء ما عند الله سبحانه وتعالى.. وكل هذه المعجزات، والكرامات قد جرى أمثالها على يد كثير الأنبياء، والمرسلين، وخيار الصالحين، ولا يعني مطلقاً أن فاعلها هو الرب الإله خالق السماوات والأرض.
بقلم الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الخالق
