يقول العلامة الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية 2/149-151: " وأما النصارى فأناجيلهم الأربعة من طريق مرقس ولوقا ومتى ويحنا أشد اختلافا وأكثر زيادة ونقصا وأفحش تفاوتا من التوراة وقد خالفوا أحكام التوراة والإنجيل في غير ما شيء قد شرعوه لأنفسهم فمن ذلك صلاتهم إلى الشرق وليست منصوصا عليها ولا مأمورا بها في شيء من الأناجيل الأربعة وهكذا تصويرهم كنائسهم وتركهم الختان ونقلهم صيامهم إلى زمن الربيع وزيادته إلى خمسين يوما وأكلهم الخنزير ووضعهم الأمانة الكبيرة وإنما هي الخيانة الحقيرة والرهبانية وهي ترك التزويج لمن أراد التعبد وتحريمه عليه وكتبهم القوانين التي وضعتها لهم الأساقفة الثلاثمائة والثمانية عشر فكل هذه الأشياء ابتدعوها ووضعوها في أيام قسطنطين بن قسطن باني القسطنطينية وكان زمنه بعد المسيح بثلاثمائة سنة وكان أبوه أحد ملوك الروم وتزوج أمه هيلانة في بعض أسفاره للصيد من بلاد حران وكانت نصرانية على دين الرهابين المتقدمين فلما ولد لها منه قسطنطين المذكور تعلم الفلسفة وبهر فيها وصار فيه ميل بعض الشيء إلى النصرانية التي أمه عليها فعظم القائمين بها بعض الشيء وهو على اعتقاد الفلاسفة فلما مات أبوه واستقل هو في المملكة سار في رعيته سيرة عادلة فأحبه الناس وساد فيهم وغلب على ملك الشام بأسره مع الجزيرة وعظم شأنه وكان أول القياصرة ثم اتفق اختلاف في زمانه بين النصارى ومنازعة بين بترك الاسكندرية اكصندروس وبين رجل من علمائهم يقال له عبدالله بن أريوس فذهب اكصندروس إلى أن عيسى بن الله تعالى الله عن قوله وذهب ابن أريوس إلى أن عيسى عبدالله ورسوله واتبعه على هذا طائفة من النصارى واتفق الأكثرون الأخسرون على قول بتركهم ومنع ابن أريوس من دخول الكنيسة وهو أصحابه فذهب يستعدي على اكصندروس وأصحابه إلى ملك قسطنطين فسأله الملك عن مقالته فعرض عليه عبدالله بن أريوس ما يقول في المسيح من أنه عبدالله ورسوله واحتج على ذلك فحال إليه وجنح إلى قوله فقال له قائلون فينبغي أن تبعث إلى خصمه فتسمع كلامه فأمر الملك بإحضاره وطلب من سائر الأقاليم كل أسقف وكل من عنده في دين النصرانية وجمع البتاركة الأربعة من القدس وانطاكية ورومية والأسكندرية فيقال إنهم اجتمعوا في مدة سنة وشهرين ما يزيد على ألفي أسقف فجمعهم في مجلس واحد وهو المجمع الأول من مجامعهم الثلاثة المشهورة وهم مختلفون اختلافا متباينا منتشرا جدا فمنهم الشرذمة على المقالة التي لا يوافقهم أحد من الباقين عليها فهولاء خمسون على مقالة وهؤلاء ثمانون على مقالة أخرى وهؤلاء عشرة على مقالة وأربعون على أخرى ومائة على مقالة ومائتان على مقالة وطائفة على مقالة ابن أريوس وجماعة على مقالة أخرى فلما تفاقم أمرهم وانتشر اختلافهم حار فيهم الملك قسطنطين مع أنه سيء الظن بما عدا دين الصابئين من أسلافه اليونانيين فعمد إلى أكثر جماعة منهم على مقالة من مقالاتهم فوجدهم ثلثمائة وثمانية عشر أسقفا قد اجتمعوا على مقالة اكصندروس ولم يجد طائفة بلغت عدتهم فقال هؤلاء أولى بنصر قولهم لأنهم أكثر الفرق فاجتمع بهم خصوصا ووضع سيفه وخاتمه إليهم وقال إني رأيتكم أكثر الفرق قد اجتمعتم على مقالتكم هذه فأنا أنصرها وأذهب إليها فسجدوا له وطلب منهم أن يضعوا له كتابا في الأحكام وأن تكون الصلاة إلى الشرق لأنها مطلع الكواكب النيرة وأن يصوروا في كنائسهم صورا لها جثث فصالحوه على أن تكون في الحيطان فلما توافقوا على ذلك أخذ في نصرهم وإظهار كلمتهم وإقامة مقالتهم وإبعاد من خالفهم وتضعيف رأيه وقوله فظهر أصحابه بجاهه على مخالفيهم وانتصروا عليهم وأمر ببناء الكنائس على دينهم وهم الملكية نسبة إلى دين الملك فبنى في أيام قسطنطين بالشام وغيرها في المدائن والقرى أزيد من اثنتيي عشر ألف كنيسة واعتنى الملك ببناء بيت لحم يعني على مكان مولد المسيح وبنت أمه هيلانة قمامة بيت المقدس على مكان المصلوب الذي زعمت اليهود والنصارى بجهلهم وقلة علمهم أنه المسيح عليه الصلاة والسلام ويقال إنه قتل من أعداء أولئك وخد لهم الأخاديد في الأرض وأجج فيها النار وأحرقهم بها كما ذكرناه في سورة البروج وعظم دين النصرانية وظهر أمره جدا بسبب الملك قسطنطين وقد أفسده عليهم فسادا لا اصلاح له ولا نجاح معه ولا فلاح عنده وكثرت أعيادهم بسبب عظمائهم وكثرت كنائسهم على أسماء عبادهم وتفاقم كفرهم وغلظت مصيبتهم وتخلد ضلالهم وعظم وبالهم ولم يهد الله قلوبهم ولا أصلح بالهم بل صرف قلوبهم عن الحق وأمال عن الاستقامة ثم اجتمعوا بعد ذلك مجمعين في قضية النسطورية واليعقوبية وكل فرقة من هؤلاء تكفر الأخرى وتعتقد تخليدهم في نار جهنم ولا يرى مجامعتهم في المعابد والكنائس وكلهم يقول بالأقانيم الثلاثة أقنوم الأب وأقنوم الابن وأقنوم الكلمة ولكن بينهم اختلاف في الحلول والاتحاد فيما بين اللاهوت والناسوت هل تدرعه أو حل فيه أو اتحد به واختلافهم في ذلك شديد وكفرهم بسببه غليظ وكلهم على الباطل إلا من قال من الأريوسية أصحاب عبدالله بن أريوس إن المسيح عبدالله ورسوله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه كما يقول المسلمون فيه سواء ولكن لما استقر أمر الأريوسية على هذه المقالة تسلط عليهم الفرق الثلاثة بالأبعاد والطرد حتى قلوا فلا يعرف اليوم منهم أحد فيما يعلم والله أعلم "
