وكيف ينكرون التحريف وفي ما ينسبونه إلى الوحي الإلهي إساءات متكررة إلى ذات الله عز وجل، فينسبون إلى الخـالق الحـزن والـندم ( التكوين 6: 5-6، صموئيل الأول 15: 10)، والراحة من الجهد ( التكوين 2: 1-2)، والاستيقاظ كاستيقاظ النائم ( المزامير 78: 65)، وينتقصون من علمه للغيب، ويتحدثون عن الله الخالق كما لو أنهم يتحدثون عن البشر المخلوق، وينسبون إلى أنبياء الله كل كبائر السرقة والزنا ( بما فيها الزنا بالمحرمات الذي أمرت شريعة موسى عليه السلام بقتل من ارتكبه، بل بقتل من زنا حتى بغير المحارم، لاويين 20: 11- 20، تثنية 22: 21، يوحنا 8: 3-5)، والتعري وسوء الخلق وعبادة غير الله وارتكاب المجازر وظلم الناس ( انظر مثلا افتراءاتهم في قصة زنا بنات لوط عليه السلام بأبيهما كما يزعمون في التكوين 19: 30- 37، وفي قصة زنا يهوذا - وهو من الأسباط الصالحين- بثامار زوجة أحد أولاده المتوفين، ولولا أنّها أثبتت أنه كان هو الزاني بها لأُحرقت بالنار عقوبة على جريمتها (التكوين 38: 6- 27)، وولدت له من هذا الزنا توأم أحدهما هو فارص جدّ داود عليه السلام!
وفيما ينسبونه لداود عليه السلام من الزنا بزوجة أحد قواده، ثمّ تآمره على قتله بعد ذلك (صموئيل الثاني 11 بأكمله عن هذه القصة)، وقصص أخرى من الزنا بالمحارم!، وماينسبونه لداود ولشاول ( طالوت) عليه السلام من احتيال وسفك دماء الكهنة الصالحين والأبرياء من النساء والأطفال والرّضع ( صموئيل 21: 11-19، 18: 27، 27: 11-12 ومواضع أخرى كثيرة)، وسكر نوح عليه السلام وتعريه أمام أولاده بالتكوين 9: 21-22، واستغلال يعقوب لأخيه لأخذ حقه بالبركة بالتكوين ( 25: 27- 33)، ومصارعة يعقوب لربه ( التكوين 32: 24- 29) وغيرها من الكثير من الافتراءات..). ولقد نفى القرآن الكريم صراحة ما افتروه على هارون عليه السلام ( الخروج 32: 1- 6) من أنه أمر بصنع العجل وعبادته، وعن سليمان عليه السلام من أنه كفر بالله وعبد غير الله كما زعموا بأسفار الأنبياء، كما أستغرب عليهم زعمهم أنهم أبناء الله (2) وأحباؤه مما يبين أن هذا الزعم هو من ضمن ما افتروه وركنوا إليه ثم هلكوا بسببه.. ونفى القرآن الكريم أن يكون موسى قد رأى الله عزوجل جهرة ( الأعراف 143)، أو أن يكون التعب قد مس الله عزوجل من خلق السماوات والأرض، قد أمر كفار مكة بالتعري ( الأعراف 28) بينما ينسب الكتاب المنسوب لإشعيا ( 20: 2-3) أنّ الله أمره بالتعري، فتعرى ومشى بين الناس حافيا عارياً لثلاث سنوات وهو نبي.. كما ثبت في نسخ الإنجيل الحالية إنكار المسيح ادعاءَهم – وهو ادعاء أدخلوه على نصوص أسفار العهد القديم – بأن المسيا أو المصطفى المنتظر هو من أبناء داود عليه السلام في إشارة ساطعة على تعمّد تحريفهم للتوراة وأسفار الأنبياء.. ولا تكاد تحصر الشواهد على التحريف، ولدي سرد بعشرات المواضع المتناقضة ضمن صفحات الكتاب المقدس، ويكفي أنّ من النصارى من اعتبر أن الأخطاء بالكتاب المقدس والتناقضات المباشرة تصل إلى خمسين ألف خطأ أو تناقض وذلك كما ذكر ذلك الأستاذ أحمد ديدات حفظه الله تعالى في رسالته عن الكتاب المقدس هل هو كلام الله تعالى.. ومن يقرأ الرسائل السرية ( الأبوكريفا) المقدسة عند بعض الطوائف، سواء اليهودية منها التي وقعت بأيدي مسيحية أو الرسائل المسيحية أصلاً يجد أنها قد حرّفت كثيرا، وأدخلت عليها الكثير من عبارات التثليث وتأليه المسيح عليه السلام، وهو مما يُجمع عليه الباحثون بما فيهم النصارى منهم بأنّه "إدخالات مسيحية".. وذلك من الأمثلة البارزة على الجرأة لتغيير الكتب الدينية وتحريفها..
(1) تذكر هيلين اليربي Hellen Ellerbe في كتابها الجانب المظلم من التاريخ المسيحي، طبعة عام 1995 ضمن فصل بعنوان: أساليب سياسية: جعل المسيحية مستساغة للرومان في الفترة 200- 500م، أنّ الكتابات المسيحية قد بُدلت لتكون مقبولة لدى الرومان، وأن عناصر من الوثنية قد أدخلت فيه، وأن أساس تقييم الفرد بعمله قد استبدل بالإقرار بالمعتقد العقدي ( الذي وضع بنيقية، وسنشير إليه لاحقا) وبطاعة رجال الكنيسة.. وتذكر الكاتبة أنه حتى عام 450م كان هناك ما يزيد على مائتي إنجيل مختلف متداول بين الناس، وأن الكنيسة منعت وأحرقت هذه الأناجيل حتى اختفت، وتستشهد باعتراف الموسوعة الكاثوليكية بأن الفكرة القائلة بأن إقرار الأناجيل والرسائل الحالية كان من بداية المسيحية.." بأنها فكرة لا أساس لها تاريخيا"، أو بمعنى آخر أن اختيار الأناجيل الحالية من قبل المجموعة التي احتضنها قسطنطين الوثني لم يكن على أي أساس من المسيح عليه السلام ( إلاّ أساس عقيدة المجموعة نفسها في مقابل غيرها من المجموعات المسيحية التي من أهمها الناصريين)... ومع هذا فقد تعرضت حتى هذه الأناجيل الأربعة -كما تستشهد المؤلفة بشهادات آخرين- فقد تعرضت للتبديل المستمر.. وتعلق على ذلك المؤلفة بأنه بينما تدّعي الكنيسة أن الحقيقة راسخة لا تتبدل، فإنها قد وجدَت في كل مرة سببا لتبديل هذه الحقيقة.. ومثل هذا الحديث عن حرق ما يزيد على مائتي إنجيل مختلف قد ذكره كذلك كثير من الباحثين الآخرين.
