يقول الحق تبارك وتعالى (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهيناً والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً) ها هو صلى الله عليه وسلم يقارب الأربعين من عمره ذاهب إلى الغار ما يمر بشجر ولا حجر إلا سلم عليه صلى الله عليه وسلم ويأتيه جبريل بالوحي فيعود فزعاً خائفاً إلى زوجه خديجة رضي الله عنها وأرضاها يقول زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع وأخبر خديجة بالأمر وقال قد خشيت والله على نفسي قالت كلا والله لا يخزيك الله أبداً إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة ذهبت به إلى ابن عمها [ورقة بن نوفل] وقد قرأ الكتب السابقة فأخبرته الخبر فقال هذا هو الناموس الذي أنزل على موسى يا ليتني فيها جزع أكب فيها وأضع إذ يخرجك قومك قال أَوَمُخرِجِيَّ هم قال نعم ما أتى أحد بمثل ما جئت به إلا عودي وأوذي والآن
أرى خلل الرماد وميض جمر *** وأخشى أن يكون لها ضرام
أقول هذا في وقت لا نزال نسمع عن كثير ممن قل حظهم من مراقبة الله وخشيته والخوف منه ونسوا حظاً مما ذكروا به لا تحلوا لهم مجالسهم ولا يقربون في حديثهم ولا ينبسطون في جلساتهم حتى يتناولوا أعراض عباد الله القائمين بأمر الله من علماء الأمة ودعاة الملة ورجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الذين جردوا سواعدهم لرفع راية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذين بذلوا أوقاتهم وأنفسهم لله عز وجل في وقت خرست فيه الألسن قالوا وقد سكت الناس ونطقوا وقد خرست الألسن وجاهدوا في وقت ركن فيه كثير من الناس إلى الدعة والسكون وأخلدوا إلى الحياة الدنيا وملذاتها وتسابقوا إلى الوظائف والمناصب ومع ذلك فقد قام هؤلاء المخلصون بأمر الله لا يبتغون إلا رفعة وإعلاء كلمة الله ودحر الباطل وأهله من أعداء الله تجد هؤلاء الفسقة بل كثير منهم يسارع إلى تناول أعراض الدعاة وتتبع عوراتهم والتلذذ بالحديث عنهم في المجالس يلمز هذا ويتكلم في عرض هذا ويردد ما أشيع عن هذا لم تتورع ألسنة بعض هؤلاء من اختلاق الأكاذيب وإلصاق التهم بهم وترديد بعض الأباطيل التي تلصق بهم والتي هي والله من اختلاق أعداء الإسلام وخصومه الذين تتقطع قلوبهم غيظاً وهم يرون راية الدعوة إلى الله ترفع في هذه البلاد لأن هؤلاء المحتسبين من الدعاة والعلماء يُقِضُّون مضاجعهم ويفسدون عليهم ملذاتهم وسكرهم وعربدتهم وفجورهم ودعوتهم إلى منكرهم ولهذا فإن كثيراً من هؤلاء يلفق التهم والأكاذيب ليرميهم بها فيتلقفها خفاف الأحلام والسذج من الناس ويطيرون بها فرحاً يبلغون بها الأفاق
أقلوا عليهم لا أباً لا أبيكم من اللوم *** أو سدوا المكان الذي سدوا
لكن لا ضير ولا ريب هذه هي سمة الدعوة إلى الله عز وجل أوذي صلى الله عليه وسلم قيل عنه بأنه ساحر وقيل عنه بأنه كاهن و قيل عنه بأنه مجنون و رمي في عرضه صلى الله عليه وسلم ورغم ذلك أتم الله النور وأكمل الدين رغم أنف الكفار والمشركين والمنافقين خرجت هذه الفئة خرجت فئة المنافقين يوم عز الإسلام تدعي الإسلام وهي منه براء تريد ضرب الإسلام ودعاته فاتخذت النفاق طريقاً وياله من طريق موحش مظلم مبتور إنه مرض عضال ومقت ووبال من تلبس به فقد أغضب الله الواحد القهار واسكن نفسه الدرك الأسفل من النار لا إله إلا الله ماذا فعل المنافقون والمغرضون والحاقدون بالإسلام ودعاته في الماضي والآن لا إله إلا الله كم كادوا لرسول الأنام عليه الصلاة والسلام هم في كل عصر يعيشون يعشعشون ويبيضون ويفرخون همهم إطفاء كل نور يدعي له المسلمون تهاونوا بنظر الله تعالى وعملوا من المنكر أعمالاً في المنكرات والصد عن سبيل الله ينشطون وعن الصالحات والدعوة في سبيل الله يتباعدون (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا)ً يستهزئون بأهل الاستقامة والصلاح ومن دعوتهم إلى الله يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون فالله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون ما يريدون أن يتكلم داعية ما يريدون أن يأمر بمعروف ولا ينهى بناهية لا يريدون علماً ولا دعوة ولا أن تقام ولو محاضرة لا إله إلا الله ما أخذت و أندل حالهم إن سألتهم عن آيات الله البيانات ما عرفوا إلا المغنين والممثلين والراقصات أحيائهم وأمواتهم يدّعون الإيمان وما هم بمؤمنين هم في كل عصر هم في كل عصر يعيشون يرمون بالتهم يرمون بالأكاذيب دعاة الإسلام رموا نبي الله موسى قبل نبينا عليهم الصلاة والسلام بالزنا فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهاً ورموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرضه وهم أصحاب الإفك في عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم وهم هم في كل زمان ومكان بهذا الدور يقومون وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها سيوجدون فقاتلهم الله أنى يؤفكون لنقف قليلاً مع حديث الإفك لنأخذ منه الدروس والعبر إن في ذلك لذكرى لمن له قلب فاسمعوا لعائشة المبرئة من فوق سبع سماوات رضى الله عنها وأرضاها صاحبة المعاناة في حديث الإفك يوم تقول :رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة بني المصطلق ولما دنونا من المدينة نزلنا منزلاً فبتنا فيه بعض الليل ثم أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرحيل قالت فقمت فمشيت حتى جاوزت الجيش لأقضي حاجتي وفى عنقي عقد لي فلما قضيت شأني انسَلَّ من عنقي ولا أدري ثم أقبلت إلى رحلي وتلمست صدري فلم أجد العقد وقد أخذ الناس في الرحيل قالت فرجعت أتلمس عقدي فحبسني طلبه وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه و هم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافاً فلم يستنكروا خفة الهودج قالت فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش جئت منازلهم فإذا هي بلقع ليس بها داعٍ ولا مجيب جلست في مكاني متلففة بحجابي أسبح الله واستغفر الله قالت فأخذني النوم وإذا برجل من أهل بدر من الذين اطلع عليهم فقال (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) هو [صفوان بن المعطل] رضى الله عنه هذا المجاهد الذي يقول عن نفسه بعد أن رمي بالفاحشة والذي نفسي بيدي ما كشفت خمار أنثي لا تحل لي في جاهلية ولا إسلام أتى إلى مكان عائشة فرآها وعرف أنها زوج المصطفى صلى الله عليه وسلم لأنه يعرفها قبل الحجاب قالت عائشة والذي نفسي بيده ما كلمني كلمة ولا سلم عليّ حتى السلام وإنما سمعته يقول إنا لله وإنا إليه راجعون زوج المصطفى صلى الله عليه وسلم ثم أناخ بعيره فقمت وركبت بعيره فأخذ زمام البعير يمشى به ولا يلتفت ولا يتكلم وإنما تقول عائشة كنت أسمعه يسبح الله وأتى بها في الظهيرة وهي على بعيره فأما الذين في قلوبهم إيمان فاطمأنوا إلى موعود الله وهم في كل زمان يطمئنون لذلك وأما الذين في قلوبهم زغل وحقد وغشش على الإسلام وعلى رسول الإسلام وعلى دعاة الإسلام فأخذوها فرصة لا تتعوض قام كبيرهم الذي علمهم الخبث [ابن أبي] قام بين المنافقين يقول لهم لماذا تأخرت لماذا أتت مع هذا الأجنبي لما ركبت على بعيره لما تركها رسول الهدى صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسمع بهذا الكلام هو واثق من زوجه أنها أطهر من حمام الحرم وأنقى من ماء الغمام قريشية من قرشيات
حور حرائر ما هممن بريبة *** كظباء مكة صيدهن حرام
متحجبات في الخدور أوانس *** ويصدهن عن الخنى الإسلام
فضيلة الشيخ / علي عبد الخالق القرني
