كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ - د.زغلول النجار هــذا النص القرآني جاء في العشر الأخير من سورة البقرة، وهي سورة مدنية، وعدد آياتها 286 بعد البسملة، وهي أطول سور القرآن الكريم علي الإطلاق، وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلي المعجزة التي أجراها ربنا - تبارك وتعالي- علي يدي نبيه موسي - علي نبينا وعليه من الله السلام- حين تعرض شخص من بني إسرائيل في زمانه للقتل، ولم يعرف قاتله، فأوحي الله -تعالي- إلي عبده موسي أن يأمر قومه بذبح بقرة، وأن يضربوا الميت بجزء منها فيحيي بإذن الله، ويخبرهم عن قاتله إحقاقا للحق، وشهادة لله -تعالي- بالقدرة علي إحياء الموتي. الإشارات الكـونية في سورة البقـرة جاء في هذه السورة المباركة عدد كبير من الإشارات الكونية نوجزها فيما يلي: (1) التفرقة الدقيقة بين الضياء والنور وهما أمران متمايزان، والمقابلة بين الظلمات والنور، وهذه من الحقائق العلمية التي لم تدرك إلا مؤخرا. (2) تقديم حاسة السمع علي حاسة الإبصار، وثبت علميا سبقها في مراحل خلق الإنسان. (3) وصف التلازم الدقيق بين هطول المطر الغزير وبين كل من الظلمات والرعد والبرق والصواعق. (4) الإشارة إلي إمكانية خطف البصر بواسطة البرق. (5) الإشارة إلي المراحل المتتالية في إعداد الأرض لعمارتها بخلق الإنسان، ومن ذلك تمهيد سطحها، وبناء السماء من حولها، وإنزال الماء عليها، وإخراج الثمرات رزقا للعباد، وإحياء الأرض بعد موتها وبث كل دابة فيها. (6) ذكر معجزات فلق البحر لنبي الله موسي -عليه السلام- ونجاته ومن معه وهلاك فرعون وجنده، وكذلك تفجير اثنتي عشرة بئرا مائية بضربة من عصا موسي -علي نبينا وعليه من الله تعالي السلام- وتلك الآبار لاتزال موجودة حتي اليوم علي طول صدع أرضي واحد بالمنطقة الشرقية من خليج السويس. (7) الإشارة إلي أمراض القلوب ومنها الخوف، والوسوسة، والشك، وقد أثبتت الدراسات النفسية أنها حقائق علمية لم تكن معروفة وقت تنزل القرآن الكريم. وتشبيه قسوة قلوب اليهود بأنها أشد من قسوة الحجارة، لأن من الحجارة ما يلين بتفجرها بالأنهار، أو بتشققها وخروج الماء منها، أو بهبوطها من خشية الله -تعالي- وقسوة قلوب اليهود لا تلين أبدا. (8) الحديث عن المشرق الحقيقي والمغرب الحقيقي للأرض مما يشير إلي وسطيتها للكون، وهي مما لايستطيع العلم الكسبي إدراكه. (9) الإشارة إلي خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وإلي الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وبأن ذلك كله لله. (10) الإشارة إلي تصريف الرياح، وإلي السحاب المسخر بين السماء والأرض، وهي حقائق لم تدرك بشئ من التفصيل إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين. (11) وصف الأهلة بأنها مواقيت للناس والحج. (12) الإشارة إلي أذي المحيض، والنصيحة باعتزال النساء في فترة المحيض وقد أثبتت الدراسات الطبية صحة ذلك. (13) التأكيد علي ما في كل من الخمر والميسر من آثام تفوق أية منافع يمكن أن تجتنى من وراء الخوض في آثامهما. (14) التأكيد علي حقيقة أن الجنة -أي الحديقة ذات الأشجار الكثيفة الملتفة علي بعضها البعض- الموجودة بالربوة المرتفعة عن كل من الهضاب والسهول المحيطة بها إذا اصابها وابل -أي مطر غزير- آتت أكلها ضعفين؛ لأن احتمال إغراقها بماء المطر الغزير غير وارد؛ لسرعة انحسار الماء عنها بعد أخذ كفايتها منه نظرا لارتفاعها فوق أعلي منسوب للسهول المحيطة بها. وفي حالة عدم هطول المطر الغزير فإن الطل -أي رذاذ المطر الخفيف أو الندي- يكفيها لري نباتاتها وطيب ثمارها ووفرة عطائها. والمقصود بذلك أن الجنة بالربوة العالية تزكو وتزدهر وتثمر وتجود بعطائها سواء كثر المطر عليها أو قل. وقد وصفت سورة البقرة إنفاق الصالحين من عباد الله، الذين لايبغون من وراء إنفاقهم إلا مرضاة الله والثبات علي الحق -بأنه يزكو عند الله ويطيب -زاد قدره أم قل- تماما كما يزكو عطاء الجنة بالربوة العالية زاد المطر عليها أو قل. وكل قضية من هذه القضايا العلمية تحتاج إلي معالجة مستقلة؛ ولذلك فإني سوف أقصر حديثي هنا علي النقطة الأخيرة منها وهي المتعلقة بوصف الجنة بالربوة العالية، وقبل الدخول إلي ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين القدامي والمعاصرين في تفسير تلك الآية الكريمة. من أقوال المفسرين في تفسير قوله -تعالي-: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة:265]. * ذكر ابن كثير -يرحمه الله- ما مختصره: وهذا مثل المؤمنين المنفقين أموالهم ابتغاء مرضات الله عنهم في ذلك "وتثبيتا من أنفسهم" أي: وهم متحققون ومتثبتون أن الله سيجزيهم عن ذلك أوفر الجزاء.. قال الشعبي: ﴿ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ أي تصديقا ويقينا. وقوله تعالي: ﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ ﴾ أي: كمثل بستان بربوة، وهو عند الجمهور المكان المرتفع من الأرض، وزاد ابن عباس والضحاك: وتجري فيه الأنهار وقوله تعالي: ﴿ أَصَابَهَا وَابِلٌ ﴾ وهو المطر الشديد... ﴿ فَآتَتْ أُكُلَهَا ﴾ أي: ثمرتها ﴿ ضِعْفَيْنِ ﴾ أي: بالنسبة إلي غيرها من الجنان ﴿ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ﴾. قال الضحاك: هو الرذاذ وهو اللين من المطر، أي: هذه الجنة بهذه الربوة لا تمحل أبدا؛ لأنها إن لم يصبها وابل فطل، وأيا ما كان فهو كفايتها، وكذلك عمل المؤمن لا يبور أبدا بل يتقبله الله ويكثره وينميه، كل عامل بحسبه، ولهذا قال: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة:265] أي: لايخفي عليه من أعمال عباده شئ. * وجاء في تفسير الجلالين -رحم الله كاتبيه- ما مختصره: "ومثل" نفقات "الذين ينفقون أموالهم ابتغاء" طلب " مرضات الله وتثبيا من أنفسهم" أي: تحقيقا للثواب عليه، بخلاف المنافقين الذين لا يرجونه، لإنكارهم له و"من" ابتدائية "كمثل جنة" بستان "بربوة" بضم الراء وفتحها، مكان مرتفع مستوٍٍ "أصابها وابل فآتت" أعطت "أكلها" بضم الكاف وسكونها، أي: ثمرها "ضعفين" مثلي ما يثمر غيرها "فإن لم يصبها وابل فطل" مطر خفيف، يصيبها ويكفيها لارتفاعها، المعني: تثمر وتزكو، كثر المطر أم قل فكذلك نفقات من ذكر، تزكو عند الله كثرت أم قلت "والله بما تعملون بصير" فيجازيكم به. * وذكر صاحب صفوة البيان لمعاني القرآن -رحمه الله رحمة واسعة- ما نصه: "وتثبيتا من أنفسهم" أي: كما أنفقوا أموالهم في سبيل الله ابتغاء مرضاته أنفقوها توطينا لأنفسهم علي حفظ هذه الطاعة وترك ما يفسدها، فـ "من" بمعني اللام، أو تثبيتا للإسلام وتصديقا به، وتحقيقا للجزاء الموعود به من أصل أنفسهم، فهي الدافعة له وهي المنشأ والمبتدأ. "جنة" تطلق علي الأشجار الملتفة المتكاثفة، وهي الأنسب هنا، كما تطلق علي الأرض المشتملة عليها. "بربوة" بمكان من الأرض مرتفع عن السيل، والعادة في أشجار الربى أن تكون أحسن منظرا وأزكي ثمرا. "أكلها" ثمرها. وكل مأكول: أكل. "فطل" فمطر خفيف يكفيها لطيبها وكرم منبتها. والطل: أضعف المطر وهو الرذاذ، وجمعه طلال وطلل. والمراد: أن هذه الجنة تزكو وتثمر، كثر المطر أو قل، فكذلك نفقة هؤلاء ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم تزكو عند الله وتطيب، كثرت أو قلت. * وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم -جزاهم الله خيرا- ما نصه: حال الذين ينفقون أموالهم طلبا لمرضاة الله وتثبيتا لأنفسهم علي الإيمان، كحال صاحب بستان بأرض خصبة مرتفعة يفيده كثير الماء وقليله، فإن أصابه مطر غزير أثمر مثلين، وإن لم يصبه المطر الكثير بل القليل فإنه يكفي لإثماره لجودة الأرض وطيبها، فهو مثمر في الحالتين، فالمؤمنون المخلصون لاتبور أعمالهم، والله لا يخفي عليه شئ من أعمالكم.
|