عرض مشاركة واحدة
  #1 (permalink)  
قديم 09-May-2007, 07:34 AM
Abu Bukr Abu Bukr غير متواجد حالياً
الــداعــيــة الكبير
 
تاريخ التسجيل: Apr 2007
المشاركات: 721
Arrow كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ - د.زغلول النجار

هــذا النص القرآني جاء في العشر الأخير من سورة البقرة‏، وهي سورة مدنية‏، وعدد آياتها‏ 286‏ بعد البسملة‏، وهي أطول سور القرآن الكريم علي الإطلاق‏، وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلي المعجزة التي أجراها ربنا - تبارك وتعالي‏-‏ علي يدي نبيه موسي‏‏ - علي نبينا وعليه من الله السلام‏-‏ حين تعرض شخص من بني إسرائيل في زمانه للقتل‏،‏ ولم يعرف قاتله‏، فأوحي الله‏ -تعالي‏-‏ إلي عبده موسي أن يأمر قومه بذبح بقرة‏، وأن يضربوا الميت بجزء منها فيحيي بإذن الله‏، ويخبرهم عن قاتله إحقاقا للحق‏، وشهادة لله‏‏ -تعالي‏- بالقدرة علي إحياء الموتي‏.‏

الإشارات الكـونية في سورة البقـرة‏

جاء في هذه السورة المباركة عدد كبير من الإشارات الكونية نوجزها فيما يلي‏:‏
‏(1)‏ التفرقة الدقيقة بين الضياء والنور وهما أمران متمايزان‏، والمقابلة بين الظلمات والنور‏، وهذه من الحقائق العلمية التي لم تدرك إلا مؤخرا‏.‏

‏(2)‏ تقديم حاسة السمع علي حاسة الإبصار، وثبت علميا سبقها في مراحل خلق الإنسان‏.‏
‏(3)‏ وصف التلازم الدقيق بين هطول المطر الغزير وبين كل من الظلمات والرعد والبرق والصواعق‏.‏
‏(4)‏ الإشارة إلي إمكانية خطف البصر بواسطة البرق‏.‏
(5)‏ الإشارة إلي المراحل المتتالية في إعداد الأرض لعمارتها بخلق الإنسان، ومن ذلك تمهيد سطحها‏، وبناء السماء من حولها‏، وإنزال الماء عليها‏، وإخراج الثمرات رزقا للعباد‏، وإحياء الأرض بعد موتها وبث كل دابة فيها‏.‏
‏(6)‏ ذكر معجزات فلق البحر لنبي الله موسي‏‏ -عليه السلام‏-‏ ونجاته ومن معه وهلاك فرعون وجنده‏، وكذلك تفجير اثنتي عشرة بئرا مائية بضربة من عصا موسي -‏علي نبينا وعليه من الله تعالي السلام‏-‏ وتلك الآبار لاتزال موجودة حتي اليوم علي طول صدع أرضي واحد بالمنطقة الشرقية من خليج السويس‏.‏
(7)‏ الإشارة إلي أمراض القلوب ومنها الخوف‏، والوسوسة‏، والشك‏، وقد أثبتت الدراسات النفسية أنها حقائق علمية لم تكن معروفة وقت تنزل القرآن الكريم‏.‏
وتشبيه قسوة قلوب اليهود بأنها أشد من قسوة الحجارة، لأن من الحجارة ما يلين بتفجرها بالأنهار‏، أو بتشققها وخروج الماء منها‏، أو بهبوطها من خشية الله‏ -تعالي‏- وقسوة قلوب اليهود لا تلين أبدا‏.‏
(8)‏ الحديث عن المشرق الحقيقي والمغرب الحقيقي للأرض مما يشير إلي وسطيتها للكون‏، وهي مما لايستطيع العلم الكسبي إدراكه‏.‏
‏(9)‏ الإشارة إلي خلق السماوات والأرض‏، واختلاف الليل والنهار‏، وإلي الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس‏، وبأن ذلك كله لله‏.‏
(10)‏ الإشارة إلي تصريف الرياح‏، وإلي السحاب المسخر بين السماء والأرض، وهي حقائق لم تدرك بشئ من التفصيل إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏.‏
‏(11)‏ وصف الأهلة بأنها مواقيت للناس والحج‏.‏
(12)‏ الإشارة إلي أذي المحيض‏، والنصيحة باعتزال النساء في فترة المحيض وقد أثبتت الدراسات الطبية صحة ذلك‏.‏
‏(13)‏ التأكيد علي ما في كل من الخمر والميسر من آثام تفوق أية منافع يمكن أن تجتنى من وراء الخوض في آثامهما‏.‏
‏(14)‏ التأكيد علي حقيقة أن الجنة‏ -أي الحديقة ذات الأشجار الكثيفة الملتفة علي بعضها البعض‏- الموجودة بالربوة المرتفعة عن كل من الهضاب والسهول المحيطة بها إذا اصابها وابل -أي مطر غزير‏- آتت أكلها ضعفين؛ لأن احتمال إغراقها بماء المطر الغزير غير وارد؛ لسرعة انحسار الماء عنها بعد أخذ كفايتها منه نظرا لارتفاعها فوق أعلي منسوب للسهول المحيطة بها‏.‏

وفي حالة عدم هطول المطر الغزير فإن الطل -أي رذاذ المطر الخفيف أو الندي‏-‏ يكفيها لري نباتاتها وطيب ثمارها ووفرة عطائها‏.‏
والمقصود بذلك أن الجنة بالربوة العالية تزكو وتزدهر وتثمر وتجود بعطائها سواء كثر المطر عليها أو قل‏.‏

وقد وصفت سورة البقرة إنفاق الصالحين من عباد الله‏، الذين لايبغون من وراء إنفاقهم إلا مرضاة الله والثبات علي الحق -بأنه يزكو عند الله ويطيب -زاد قدره أم قل‏-‏ تماما كما يزكو عطاء الجنة بالربوة العالية زاد المطر عليها أو قل‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا العلمية تحتاج إلي معالجة مستقلة‏؛ ولذلك فإني سوف أقصر حديثي هنا علي النقطة الأخيرة منها وهي المتعلقة بوصف الجنة بالربوة العالية‏، وقبل الدخول إلي ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين القدامي والمعاصرين في تفسير تلك الآية الكريمة‏.‏

من أقوال المفسرين في تفسير قوله‏ -تعالي-:‏ ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة:265].

*‏ ذكر ابن كثير‏ -يرحمه الله‏- ما مختصره‏:‏ وهذا مثل المؤمنين المنفقين أموالهم ابتغاء مرضات الله عنهم في ذلك‏ "وتثبيتا من أنفسهم‏"‏ أي: وهم متحققون ومتثبتون أن الله سيجزيهم عن ذلك أوفر الجزاء‏..‏

قال الشعبي‏: ﴿ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ أي تصديقا ويقينا‏.‏

وقوله تعالي‏:‏ ﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ ﴾ أي: كمثل بستان بربوة‏، وهو عند الجمهور المكان المرتفع من الأرض‏، وزاد ابن عباس والضحاك‏:‏ وتجري فيه الأنهار
وقوله تعالي: ﴿ أَصَابَهَا وَابِلٌ ﴾‏ وهو المطر الشديد‏... ﴿ فَآتَتْ أُكُلَهَا ﴾ أي: ثمرتها‏ ﴿ ضِعْفَيْنِ ﴾‏ أي: بالنسبة إلي غيرها من الجنان‏ ﴿ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ﴾.‏

قال الضحاك‏:‏ هو الرذاذ وهو اللين من المطر‏، أي: هذه الجنة بهذه الربوة لا تمحل أبدا؛ لأنها إن لم يصبها وابل فطل‏، وأيا ما كان فهو كفايتها‏، وكذلك عمل المؤمن لا يبور أبدا بل يتقبله الله ويكثره وينميه‏، كل عامل بحسبه‏، ولهذا قال‏: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة:265] ‏ أي: لايخفي عليه من أعمال عباده شئ.

‏*‏ وجاء في تفسير الجلالين -رحم الله كاتبيه-‏ ما مختصره‏: "ومثل‏"‏ نفقات‏ "الذين ينفقون أموالهم ابتغاء"‏ طلب‏‏ " مرضات الله وتثبيا من أنفسهم‏" أي‏:‏ تحقيقا للثواب عليه‏، بخلاف المنافقين الذين لا يرجونه‏، لإنكارهم له و"من‏"‏ ابتدائية‏ "كمثل جنة‏" بستان‏‏ "بربوة"‏ بضم الراء وفتحها‏، مكان مرتفع مستو‏ٍٍ "أصابها وابل فآتت‏"‏ أعطت‏‏ "أكلها"‏ بضم الكاف وسكونها‏، أي‏:‏ ثمرها‏ "ضعفين‏"‏ مثلي ما يثمر غيرها‏ "فإن لم يصبها وابل فطل‏"‏ مطر خفيف‏، يصيبها ويكفيها لارتفاعها‏، المعني‏:‏ تثمر وتزكو‏، كثر المطر أم قل فكذلك نفقات من ذكر‏، تزكو عند الله كثرت أم قلت‏ "والله بما تعملون بصير‏"‏ فيجازيكم به‏.‏

‏*‏ وذكر صاحب صفوة البيان لمعاني القرآن‏ -رحمه الله رحمة واسعة‏-‏ ما نصه‏:‏ "وتثبيتا من أنفسهم"‏ أي: كما أنفقوا أموالهم في سبيل الله ابتغاء مرضاته أنفقوها توطينا لأنفسهم علي حفظ هذه الطاعة وترك ما يفسدها‏، فـ‏ "من‏"‏ بمعني اللام‏، أو تثبيتا للإسلام وتصديقا به‏، وتحقيقا للجزاء الموعود به من أصل أنفسهم‏، فهي الدافعة له وهي المنشأ والمبتدأ‏. "جنة‏"‏ تطلق علي الأشجار الملتفة المتكاثفة‏، وهي الأنسب هنا‏، كما تطلق علي الأرض المشتملة عليها‏.‏
‏"بربوة‏"‏ بمكان من الأرض مرتفع عن السيل‏، والعادة في أشجار الربى أن تكون أحسن منظرا وأزكي ثمرا‏. "أكلها‏" ثمرها‏.‏ وكل مأكول‏:‏ أكل‏. "فطل‏"‏ فمطر خفيف يكفيها لطيبها وكرم منبتها‏.‏ والطل‏:‏ أضعف المطر وهو الرذاذ‏، وجمعه طلال وطلل‏.‏
والمراد‏:‏ أن هذه الجنة تزكو وتثمر‏، كثر المطر أو قل‏، فكذلك نفقة هؤلاء ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم تزكو عند الله وتطيب‏، كثرت أو قلت‏.‏

‏*‏ وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ -جزاهم الله خيرا-‏ ما نصه‏:‏ حال الذين ينفقون أموالهم طلبا لمرضاة الله وتثبيتا لأنفسهم علي الإيمان‏، كحال صاحب بستان بأرض خصبة مرتفعة يفيده كثير الماء وقليله‏، فإن أصابه مطر غزير أثمر مثلين‏، وإن لم يصبه المطر الكثير بل القليل فإنه يكفي لإثماره لجودة الأرض وطيبها‏، فهو مثمر في الحالتين، فالمؤمنون المخلصون لاتبور أعمالهم، والله لا يخفي عليه شئ من أعمالكم‏.‏



من مواضيع : Abu Bukr 0 عصمة الرسول – صلى الله عليه وسلم –د. سلمان بن فهد العودة
0 وهذه نماذج مما جاء في الإنجيل عن معجزاته
0 مغالطات نصرانية والرد عليها @#@
0 علة تحريم أكل لحم الجوارح وكل ذي ناب
0 النصرانية @عبد الرحمن بن عبد الخالق
0 ثلاثون سؤالاً - أحمد بن عبد العزيز القطان
0 Impact & Effect of Sins
رد مع اقتباس