عرض مشاركة واحدة
  #4 (permalink)  
قديم 11-Apr-2007, 09:09 PM
Abu Bukr Abu Bukr غير متواجد حالياً
الــداعــيــة الكبير
 
تاريخ التسجيل: Apr 2007
المشاركات: 721
Smile نصارى اليوم يعرفون محمدا كما يعرفون أبناءهم

وهناك أمثلة كثير لولا الإطالة وضيق المقالة لبسطها للقارئ ، وهنا شبهة يلزم جوابها ، فنظرا لهذا التشابه الواضح بين ما ذكر من نصوص الإنجيل ، بغض الطرف عما فيها من تغيير وتبديل وبين نصوص التنزيل قرآنا كان أو سنة ، فإن البعض ربما يزعم أن ذلك دليل على أن محمدا صلى الله عليه وسلم أخذ القرآن من التوراة والإنجيل وصاغه بلغته العربية على هذا النحو ، وهذه الشبهة ليست جديدة ، فكثير من النصارى زعم أن محمدا لقي بحيرة الراهب فأخذ عنه وتعلم منه ، وما تلك المعارف التي في القرآن إلا ثمرة هذا الأخذ وذاك التعلم ، وجواب ذلك من وجوه :
أولا : أنها دعوى مجردة من الدليل خالية من التحديد والتعيين ، ومثل هذه الدعاوى لا تقبل ما دامت غير مدللة وإلا فليخبرونا ما الذي سمعه محمد صلى الله عليه وسلم من بحيرة الراهب أو غيره ، ومتى كان ذلك وأين كان ؟

ثانيا : أن التاريخ لا يعرف أكثر من أنه صلى الله عليه وسلم سافر إلى الشام في تجارة مرتين ، مرة في طفولته ومرة في شبابه ، ولم يسافر غير هاتين المرتين ، ولم يجاوز سوق البصرة فيهما ، ولم يسمع من بحيرة ولا من غيره شيئا من الدين ، ولم يك أمره سرا هناك ، بل كان معه شاهد في المرة الأولى وهو عمه أبو طالب ، وشاهد في الثانية وهو ميسرة غلام خديجة رضي الله عنها التي خرج الرسول صلى الله عليه وسلم بتجارتها أيامئذ ، وكل ما هنالك أن بحيرة الراهب رأى سحابة تظلله من الشمس فذكر لعمه أن سيكون لهذا الغلام شأن ، ثم حذره عليه من اليهود ، وقد رجع به عمه خوفا عليه ولم تتم رحلته .

ثالثا : أن تلك الروايات التاريخية نفسها تحيل أن يقف هذا الراهب أو غيره موقف المعلم المرشد لمحمد صلى الله عليه وسلم ، لأنه بشره أو بشر عمه بنبوته ، وليس بمعقول أن يؤمن رجل بهذه البشارة التي يزفها ثم ينصب نفسه أستاذا لصاحبها الذي سيأخذ عن الله ويتلقى عن جبريل ، ويكون هو أستاذ الأساتذة وهادي الهداة والمرشدين وإلا كان هذا الراهب متناقضا مع نفسه .

رابعا : أن بحيرة الراهب لو كان مصدر هذا الفيض الإسلامي المعجز من قرآن أو سنة ، لكان هو الأحرى بالنبوة والرسالة والانتداب لهذا الأمر العظيم .

خامسا : أنه يستحيل في مجرى العادة أن يتم إنسان على وجه الأرض تعليمه وثقافته ، ثم ينضج النضج الخارق للمعهود فيما تعلم وتثقف ، بحيث يصبح أستاذ العالم كله لمجرد أنه لقي مصادفة واتفاقا راهبا من الرهبان مرتين ، على حين أن التلميذ كان في كلتا المرتين مشتغلا عن التعليم بالتجارة ، وكان أميا لا يعرف القراءة والكتابة ، وكان صغيرا تابعا لعمه في المرة الأولى ، وكان حاملا لأمانة ثقيلة في عنقه لا بد أن يؤديها كاملة في المرة الثانية وهي أمانة العمل والإخلاص في مال خديجة وتجارتها .

سادسا : أن طبيعة النصرانية التي ينتمي إليها الراهب بحيرة تأبى أن تكون مصدرا للقرآن وهداياته ، خصوصا بعد أن أصاب ذلك الدين ما أصابه من تغيير وتحريف ، وحسبك أدلة على ذلك ما تقدم من المقارنات السابقة بين القرآن والإنجيل ، كما أن القرآن قد صور علوم أهل الكتاب في زمانه بأنها الجهالات ثم تصدى لتصحيحها ، وصور عقائدهم بأنها الضلالات ثم عمل على تقويمها ، وصور أعمالهم بأنها المخازي والمنكرات ، ثم حض على تركها ، ففاقد الشيء لا يمكن أن يعطيه والخطأ لا يمكن أن يكون مصدرا للصواب ، وكذلك الظلام لا يمكن أن يكون مشرقا للنور .

سابعا : أن أصحاب هذه الشبهة من الملاحدة يقولون : إن القرآن هو الأثر التاريخي الوحيد الذي يمثل روح عصره أصدق تمثيل ، فإذا كانوا صادقين في هذه الكلمة ، فإننا نحاكمهم في هذه الشبهة إلى القرآن نفسه ، وندعوهم أن يقرؤوه ولو مرة واحدة بتعقل وإنصاف ، ليعرفوا منه كيف كانت الأديان وعلماؤها وكتابها في عصره صلى الله عليه وسلم ، وليعلموا أنها ما كانت تصلح لأستاذية رشيدة ، بل كانت هي في أشد الحاجة إلى أستاذية رشيدة .

ثامنا : أن هذه التهمة لو كان لها نصيب من الصحة لفرح بها قومه من الكفار ، وقاموا لها وقعدوا لأنهم كانوا أعرف الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانوا أحرص الناس على تبهيته وتكذيبه وإحباط دعوته بأية وسيلة ، لكنهم كانوا أكرم على أنفسهم من هؤلاء الملاحدة فحين أرادوا طعنه بأنه تعلم القرآن من غيره ، لم يفكروا بأن يقولوا إنه تعلم من بحيرة الراهب كما قال هؤلاء ، لأن العقل لا يصدق ذلك والهزل لا يسعه ، بل لجئوا إلى رجل حداد رومي منهمك بين مطرقته وسندانه ، طول يومه في خبث الحديد وناره ودخانه ، غير أنه اجتمع فيه أمران حسبوهما بجهلهم علة لترويج تهمتهم .
أحدهما : أنه مقيم بمكة إقامة تيسر لمحمد صلى الله عليه وسلم الاتصال الدائم الوثيق به والتلقي عنه .
والآخر : أنه غريب عنهم وليس منهم ، ليخيلوا إلى قومهم أن عند هذا الرجل علم ما لم يعلموا هم ولا آباؤهم ، فيكون ذلك أدنى إلى التصديق بأستاذيته لمحمد صلى الله عليه وسلم .

وغاب عنهم أن الحق لا يزال نوره ساطعا يدل عليه ، لأن هذا الحداد الرومي أعجمي لا يحسن العربية ، فليس بمعقول أن يكون مصدرا لهذا القرآن الذي هو أبلغ نصوص العربية ، بل هو معجزة المعجزات ومفخرة العرب واللغة العربية ، فقال تعالى : { ولقد نعلم أنّهم يقولون إنّما يعلّمه بشر لسان الّذي يلحدون إليه أعجميّ وهذا لسان عربيّ مبين } (43) ، فالحقيقة التي لا شك فيها أن ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وحى معجز ينازع فيه الحاقدون الجاحدون ، وقد كشف الله تعالى شبههم وأدحض حججهم ، وبهتهم وقطعهم وفضحهم على رؤوس الأشهاد وبين عجزهم وكشف عورهم في جميع ما انتحلوا ، وقد تحداهم الله بأقوى تحد فقال : { قل لئن اجتمعت الإنس والجنّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } (44) .

فلما رأوا وجوه إيجازه وإعجازه ومبانيه الكاملة ومعانيه الشاملة وإخباره عن الأمم الماضية والغيوب المستقبلة ، والأحكام الواقعة ونبأ الوعد والوعيد والترغيب والترهيب والتهديد ، وغير ذلك على أكمل وجه وأوضح بيان ، وأعلى قصص وأعظم برهان ، علموا أنه ليس كلام المخلوقين ولا يشبه كلام المخلوقين ، وعلموا أنه الحق ، وإنما رموه بالإفك والبهتان بقولهم : كاهن شاعر مجنون وغير ذلك ، إنما هو مكابرة وعناد مع الاعتراف بذلك فيما بينهم (45) .
انتهى
وكتبه الدكتور محمود عبد الرازق


من مواضيع : Abu Bukr 0 الحجر الصحي
0 Is there any difference between the Qur'an and other Books?
0 المرشد الروحاني لمركز الشبيبة في لبنان وبين الأستاذ إبراهيم بن سليمان الجبهان
0 * ما هي المسائل الخلافية الرئيسية بين اليهود والنصارى والمسلمين؟
0 محمد صلى الله عليه وسلم مذنب كما في القرآن !!أ.د محمود حمدي
0 الغلو يا أهل الكتاب - د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي
0 مكانة المرأة في الإسلام‌
رد مع اقتباس