نصارى اليوم يعرفون محمدا كما يعرفون أبناءهم ثانيا : فضل من عاد مريضا أو أطعم مسكينا : أخبرنا الله تعالى أنه يأتي يوم القيامة لفصل القضاء ومعه الملائكة في خشية لا يتكلمون إلا بإذنه وهو سبحانه وتعالى على عرشه ، والعرش تحمله الملائكة ، والناس موقوفون في أرض المحشر للعرض والحساب ، فقال تعالى : { وجاء ربّك والملك صفّا صفّا } (16) ، وقال : { يوم يقوم الرّوح والملائكة صفّا لا يتكلمون إلا من أذن له الرّحمن وقال صوابا } (17) ، وقال أيضا : { والملك على أرجائها ويحمل عرش ربّك فوقهم يومئذ ثمانية يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية } (18) . كما أخبرنا الله تعالى في غير موضع من القرآن أنه يفرق بين أصحاب اليمين وأصحاب الشمال ، فمن ذلك قوله : { وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود وطلح منضود وظلّ ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة وفرش مرفوعة إنّا أنشأناهنّ إنشاء فجعلناهنّ أبكارا عربا أترابا لأصحاب اليمين ثلّة من الأوّلين وثلّة من الآخرين وأصحاب الشّمال ما أصحاب الشّمال في سموم وحميم وظلّ من يحموم لا بارد ولا كريم } (19) . كما يبين الله يوم القيامة فضل من عاد مريضا أو أطعم مسكينا أو سقاه شربة ماء ، وأن أجر ذلك يقع عند الله ، فمن حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إنّ الله عزّ وجل يقول يوم القيامة : يا ابن آدم مرضت فلم تعدني ، قال يا ربّ كيف أعودك وأنت ربّ العالمين ؟ قال : أما علمت أنّ عبدي فلانا مرض فلم تعده ، أما علمت أنّك لو عدته لوجدتني عنده ، يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني ، قال يا ربّ وكيف أطعمك وأنت ربّ العالمين ؟ قال : أما علمت أنّه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ، أما علمت أنّك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ، يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني ، قال : يا ربّ كيف أسقيك وأنت ربّ العالمين ؟ قال : استسقاك عبدي فلان فلم تسقه ، أما إنّك لو سقيته وجدت ذلك عندي » (20) . وبمجرد النظر والمقارنة بين النصوص السابقة وبين ما ورد في الإنجيل يتضح لك ما طرأ عليها من تغيير وتبديل ، ومقدار التطابق بين المنهجين والدلالة على نبوة النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم.. ففي إنجيل متى ورد النص التالي : (( وعندما يعود ابن الإنسان في مجده ومعه جميع ملائكته فإنّه يجلس على عرش مجده وتجتمع أمامه الشّعوب كلّها فيفصل بعضهم عن بعض كما يفصل الرّاعي الغنم عن المعاز ، فيوقف الغنم عن يمينه والمعاز عن يساره ، ثمّ يقول الملك للذين عن يمينه : تعالوا يا من باركهم أبي ، رثوا الملكوت الذي أعدّ لكم منذ إنشاء العالم ، لأنّي جعت فأطعمتموني عطشت فسقيتموني كنت غريبا فآويتموني ، عريانا فكسوتموني ، مريضا فزرتموني ، سجينا فأتيتم إليّ ! ، فيردّ الأبرار قائلين : ياربّ ، متى رأيناك جائعا فأطعمناك ، أو عطشانا فسقيناك ؟ ومتى رأيناك غريبا فآويناك ، أو عريانا فكسوناك ؟ ومتى رأيناك مريضا أو سجينا فزرناك ؟ فيجيبهم الملك : الحقّ أقول لكم بما أنّكم فعلتم ذلك بأحد إخوتي هؤلاء الصّغار فبي فعلتم ! ثمّ يقول للذين عن يساره : ابتعدوا عنّي يا ملاعين إلى النّار الأبديّة المعدّة لإبليس وأعوانه ، لأنّي جعت فلم تطعموني وعطشت فلم تسقوني ، كنت غريبا فلم تأووني عريانا فلم تكسوني ، مريضا وسجينا فلم تزوروني ، فيردّ هؤلاء أيضا قائلين : ياربّ ، متى رأيناك جائعا أو عطشانا أو غريبا أو عريانا أو مريضا أو سجينا ولم نخدمك ؟ فيجيبهم الحقّ أقول لكم بما أنّكم لم تفعلوا ذلك بأحد إخوتي هؤلاء الصّغار فبي لم تفعلوا ! فيذهب هؤلاء إلى العقاب الأبديّ والأبرار إلى الحياة الأبديّة )) (21) . فتأمل قول كاتب الإنجيل : (( يعود ابن الإنسان )) (( تعالوا يا من باركهم أبي )) وقارن مع نصوص القرآن والسنة ، يتضح لك أن الإنجيل الأصلي لم ترد فيه هذه الألفاظ لأن النصوص خرجت من مشكاة واحدة ، وما يهمنا أن ينظر من له عينان : المنطقان متطابقان ولا فرق بينهما إلا من حيث بلاغة الصياغة في القرآن ودقة اللفظ وحسن البيان والبعد عن التبديل في نصوص الأناجيل . ثالثا : لا يمكن لأحد أن يكون عبدا لسيدين : ضرب الله مثلا لعبد يمتلكه شركاء مختلفون وآخر يمتلكه سيد واحد ، الشركاء يتجاذبونه ويكلفونه ويطالبونه بأشياء متعددة في آن واحد ، وهو في حيرة من أمره وقلبه في شتات ، هل يستوي مع من كان خالصا لسيد واحد ليس لغيره عليه سبيل أو سلطان ؟ فهذا مثل من أشرك بالله فعبد الهوى والدرهم والدينار وسائر طواغيت الشيطان ومن أفرد الله بالعبادة والمحبة في الراحة والاطمئنان (22) ، قال تعالى : { ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون } (23) . فانظر كيف ورد هذا المثل في الإنجيل كدليل من دلائل النبوة وصدق ما جاء في التنزيل ففي إنجيل متى : (( لا يمكن لأحد أن يكون عبدا لسيّدين ، لأنّه إمّا أن يبغض أحدهما فيحبّ الآخر ، وإمّا أن يلزم أحدهما فيهجر الآخر ، لا يمكنكم أن تكونوا عبيدا لله والمال معا )) (24) ، وفى إنجيل لوقا : (( ما من خادم يقدر أن يكون عبدا لسيّدين ، فإنّه إمّا أن يبغض أحدهما فيحبّ الآخر ، وإمّا أن يلتحق بأحدهما فيهجر الآخر ، لا تستطيعون أن تكونوا عبيدا لله والمال معا )) (25) . فلينظر من له عينان المثلان متطابقان ولا فرق بينهما إلا من حيث بلاغة الصياغة في القرآن ودقة الألفاظ وحسن البيان . رابعا : الكلمة الطيبة والشجرة الطيبة : ضرب الله مثلا للكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة أصلها ثابت في الأرض وفرعها ضارب في السماء ، تؤتي أكلها وتعطي ثمرها بإرادة خالقها كل حين ، فمثل هذه الشجرة مثل المؤمن الذي نطق بالحق ودعا إلى الصدق وعمل عملا صالحا فإنه يثمر كل حين خيرا لنفسه ولغيره . ومثل الكلمة الخبيثة كالشجرة الخبيثة عروقها قريبة فوق الأرض ما لها من قرار فهي سريعة الاستئصال ، ثمرها رديء وطعمها مر ، فمثل هذه الشجرة مثل الكافر الذي يشرك بالله ويعبد هواه فهو يثمر في كل حين شرا لنفسه ولغيره (26) ، هذا المثل ورد في القرآن بأدق الكلمات وأبلغ العبارات فقال تعالى : { ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيّبة كشجرة طيّبة أصلها ثابت وفرعها في السّماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربّها ويضرب الله الأمثال للنّاس لعلهم يتذكّرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثّت من فوق الأرض ما لها من قرار } (27) . وقد ورد المثل أيضا في الأناجيل كدليل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وشاهد لصدق ما ورد في التنزيل ففي إنجيل متى ورد هذا النص : (( هكذا كلّ شجرة جيّدة تثمر ثمرا جيّدا ، أمّا الشّجرة الرّديئة فإنّها تثمر ثمرا رديئا لا يمكن أن تثمر الشّجرة الجيّدة ثمرا رديئا ولا الشّجرة الرّديئة ثمرا جيّدا وكلّ شجرة لا تثمر ثمرا جيّدا ، تقطع وتطرح في النّار ، إذن من ثمارهم تعرفونهم )) (28) . خامسا : هل يمر الجمل من ثقب إبرة ؟ إن لم يتصف الغنى بالتواضع فإن جبال الكبر تنمو في قلبه وتتكاثر حتى يعرض عن الحق ويكذبه ، وهذه غالبا صفة المكذبين من علية القوم وسادة الملأ ، وقد علق الله عز وجل دخول هؤلاء الجنة على مستحيل ، ومعلوم أن تعليق أمر ما على مستحيل إشارة إلى استحالة وقوعه فقال تعالى : { إنّ الذين كذّبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتّح لهم أبواب السّماء ولا يدخلون الجنّة حتّى يلج الجمل في سمّ الخياط وكذلك نجزي المجرمين } (29) . يقول ابن جرير في تفسير الآية : " ولا يدخل هؤلاء الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها الجنة التي أعدها الله لأوليائه المؤمنين أبدا كما لا يلج الجمل في سم الخياط أبدا وذلك ثقب الإبرة ، وكل ثقب في عين أو أنف أو غير ذلك ، فإن العرب تسميه سما وتجمعه سموما وسماما ومن السم الذي بمعنى الثقب قول الفرزدق : فنفست عن سميه حتى تنفسا : وقلت له لا تخش شيئا وراءنا يعني بسميه ثقبي أنفه ، وأما الخياط فإنه المخيط وهي الإبرة قيل لها خياط ومخيط " (30) . وانظر إلى هذا المثل المبنى على استحالة دخول الجنة كما يستحيل دخول الجمل في ثقب إبرة وقارنه بما ورد في إنجيل متى وما ورد في شأن الغنى الكافر حيث يقول عيسى عليه السلام : (( ما أصعب دخول الأغنياء إلى ملكوت الله ! فإنّ مرور جمل في ثقب إبرة أسهل من دخول غنيّ إلى ملكوت الله )) (31) ، سبحان الله ، جمل ، وثقب إبرة ، واستحالة دخول الجمل في ثقب الإبرة ، تصور أن واحد من هؤلاء قرأ هذا النص في الإنجيل ، ثم سمع الآية القرآنية في المذياع ، أتراه ينكر نبوة محمد أم أنه يعرفه كما يعرف ولده ؟ والنص لم يرد في إنجيل متى فقط بل ورد في إنجيل مرقس إذ يقول : (( ما أصعب دخول الأغنياء إلى ملكوت الله ! فدهش التّلاميذ لهذا الكلام ، فعاد يسوع يقول لهم : يابنيّ ، ما أصعب دخول المتّكلين على المال إلى ملكوت الله ! فأسهل أن يدخل الجمل في ثقب إبرة من أن يدخل الغنيّ إلى ملكوت الله ، فذهلوا إلى الغاية ، وقال بعضهم لبعض : ومن يقدر أن يخلص ؟ )) (32) .
|