دفاع عن النصارى ومن نظر في الأناجيل الأربعة وجد كثيراً من الاختلافات الجوهرية والأغلاط، التي يستحيل معها أن يكون هذا الموجود بين أيديهم موحى به من عند الله فمنها على سبل المثال: الاختلافات الكبيرة في قصة الصلب، برغم أنها من صلب عقيدتهم. ومنها: اختلافهم في نسب (المسيح)؛ فقد أعطاه متى نسباً مخالفاً لما دوَّنه لوقا. ومنها: الاختلاف في تعيين أسماء الحواريين؛ أصحاب عيسى عليه السلام، ومن الأغلاط الظاهرة: قول متى في إنجيله بعد الصلب المزعوم للمسيح: "وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت والصخور تفتقت والقبور تفتحت وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين وخرجوا من القبور بعد قيامته، ودخلوا المدينة المقدسة وظهروا للكثيرين"؛ فهذه الآية التي - لو حدثت - لنقلت بالتواتر؛ لأنها آية عظيمة تتوافر الهمم على نقلها، لكن لم يعلم بها أصحاب الأناجيل الثلاثة: لوقا ومرقص ويوحنا، مع اهتمامهم بذكر أمور بسيطة لا تدعو حاجة ولا ضرورة إلى ذكرها مما يدل على أنه محض خيال توهمه الكاتب. وما جاء في إنجيل لوقا (1/30) في البشارة بالمسيح قوله: "ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه، ويُمَلَّك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية". وهذا خطأ فاحش فإن المسيح لم يكن ملكاً لليهود، ولا ملكاً على آل يعقوب ولا حصل له شيء من ذلك، فهل يتخلف وعد الله؟! فهذا كله وأضعافه، مما يورث اليقين بأن هذه الأناجيل ليست هي الإنجيل الذي أنزله الله على عيسى. يقول كلارك ـ شارح الكتاب المقدس في أربعة أجزاء ـ: "إن هناك أربعين ألف خطأ في الكتاب المقدس من الترجمات والحذف والنقل وغيرها". وهذا ما دفع الكثير من علمائهم المنصفين إلى اعتناق الإسلام وكان من بينهم" فارس الشدياق" الذي عكف - هو ولجنة من علماء النصارى العرب - على إعادة صياغة الكتاب المقدس بأسلوب عربي رصين، وبعد أن أتم العمل أسلم؛ لما شاهده من التحريف والتبديل، وقال: "هؤلاء قوم يهرفون بما لا يعرفون، وكلما ضاق بهم الأمر كتبوا ما يريدون". وقال ديورانت في "قصة الحضارة"(ج12/ ص7): "وترجع أقدم النسخ التي لدينا من الأناجيل الأربعة إلى القرن الثالث، أما النسخ الأصلية، فيبدو أنها كتبت بين عامي 60، 120م، ثم تعرضت بعد كتابتها مدى قرنين من الزمان الأخطاء في النقل، ولعلها تعرضت أيضاً لتحريف مقصود يراد به التوفيق بينها وبين الطائفة التي ينتمي إليها الناسخ أو أغراضها". فلا عجب أن نرى في كل فترة من الزمان نسخة جديدة من الإنجيل مكتوباً عليها: "مزيدة ومنقحة!!". وقد احتوت الأناجيل على الوثنية الواضحة، فضلاً عن الاختلاف البيِّن بين طوائف المسيحية في إلوهية المسيح عليه السلام؛ فيستحيل حصول اليقين بنسبة تلك الكتب للمسيح؛ لانعدام الأسانيد الصحيحة الثابتة، بل إن الأدلة قائمة على أن هذه الكتب لم تعرف إلا بعد موت من نسبت إليه بعشرات السنين، وهذا باعتراف النصارى أنفسهم؛ فرسائل بولس وكذلك الرسائل الأخرى، وأعمال الرسل ليس في شيء منها الإشارة إلى واحد من هذه الكتب الأربعة؛ مما يعني أن هذه الكتب لم تكن معروفة في ذلك الزمن، ولم يطلع عليها أحد منهم، ويعترف النصارى أن تاريخ اعتبار هذه الكتب كتباً مقدسة لا يزال مجهولاً. كما يعترفون أيضاً بأنه لم ينص على قانونيتها إلا في القرن الرابع الميلادي، وأن أول ذكر صريح لمجموعة من الكتب المدونة كان من طريق جاستن، الذي قتل عام 165م، وهذا لا يدل صراحةً على أنها الأناجيل الأربعة، ويعترفون بأن أول محاولة للتعريف بهذه الأناجيل الأربعة ونشرها كانت عن طريق تاتيان، الذي جمع الأناجيل الأربعة في كتاب واحد سماه "الدياطسرن" في الفترة 166-170م، وهذا هو التاريخ الذي يمكن أن يعزى إليه وجود هذه الكتب، وهو تاريخ متأخر جداً عن وفاة من تُعزى إليهم؛ مما يدل على أنهم براء منها. ولو سلمنا جدلاً أن لهؤلاء الأربعة أناجيل فليبين لنا النصارى أسانيدهم التي توصلهم إلى أصحاب هذه الأناجيل، بل إن بعض أصحاب الأناجيل أنفسهم - كمرقص ولوقا - لا تزال شخصياتهم في عداد المجهولين فإن المعلومات عنهم قليلة جداً، فغاية ما يعرف عن الاثنين أنهما يسميان بهذين الاسمين وأنهما صحبا بولس. ولم تذكر المعلومات علم هذين الرجلين ولا دينهما ولا أمانتهما مما لا بد منه فيمن ينقل كتاباً مقدساً. ويمكن القول: إن التحريف بدأ منذ أن ظهر بولس فهو أول من حرَّف دين النصارى فتنصر فيما بين عام 51-55 م، ليعمل على تقويضها من داخلها، وأخذ في كتابة رسائله الوثنية، التي تحتل جزءاً كبيراً من الكتاب المقدس – لدى النصارى - وتشتمل على مبادئ في العقيدة والشريعة وأصول الدين التي ابتدعها، وفي هذه الرسائل ينص على أنه تعلَّم هذه المبادئ والأحكام من المسيح –عليه الصلاة والسلام- وأنه تلقى منه الإنجيل، جاء في رسالة بولس إلى غلاطية: "وأعرفكم أيها الإخوة الإنجيل الذي بشرت به أنه ليس بحسب إنسان، لأني لم أقبله من عند إنسان ولا علمته بل بإعلان يسوع المسيح". [رسالة بولس إلى غلاطية؛ عدد 12011 الإصحاح الأول]. وأخذ عن فلاسفة اليونان فكرة اتصال الإله بالأرض، عن طريق الكلمة، أو ابن الإله أو الروح القدس؛ وترتب على ذلك القول بعقيدة الصلب والفداء، وقيامة المسيح، وصعوده إلى السماء؛ ليجلس على يمين الرب؛ ليحاسب الناس في يوم المحشر، وهكذا كرر بولس نفس الأمر مع بطرس الذي هاجمه، وانفصل عنه مما أثار الناس ضده، لذا كتب بولس رسالة إلى أهل غلاطية ضمَنَّها عقيدته ومبادئه، وقد استمرت المقاومة الشديدة لأفكار بولس عبر القرون الثلاثة الأولى؛ ففي القرن الثاني الميلادي تصدى هيولتس وإيبيي فايتس وأوريجين لها، وأنكروا أن بولس كان رسولاً، وظهر بولس الشمشاطي في القرن الثالث وتبعه فرقته البوليسية إلا أنها كانت محدودة التأثير، وهكذا بدأ الانفصال عن شريعة التوراة، وبذرت بذور التثليث والوثنية في النصرانية. يقول الدكتور رؤوف شلبي في كتاب "يا أهل الكتاب تعالوا ": إن بولس هذا هو الذي أخرج ملة عيسى من ثوبها الطبيعي إلى ثوب جديد، وهو الذي بدل وصف عيسى من ابن الإنسان الذي كان يطلقه عليه الحواريون إلى ابن الله، وهو الذي ألغى اختصاص ملة عيسى بشعبه اليهودي، وسمح للمشركين عامة بالدخول فيها، وأنه ألغى شريعة موسى في الختان، وكثيراً من الشرائع؛ إرضاء للجدد من المشركين وبقية المجتمع اليوناني... وأنه صاحب فضيحة الصلب والعشاء الرباني". أما قول بعض النصارى: " نحن نؤمن بإله واحد ولا نشرك به أحداً" فعلى فرض صحته فإن مجرد هذا الإقرار لا ينفعكم ما دمتم جاحدين لما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي نسخ الله به كل الشرائع والأديان السابقة، وختم به الأنبياء والمرسلين. فالموحدون - حقا - هم الذين يؤمنون بالله إلها لا شريك له، ويؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا ويقرون بكل ما جاء به، ملتزمين شريعته ظاهراً وباطناً، لاسيما وقد بشر به المسيح ابن مريم عليه الصلاة والسلام، ولا تزال هذه البشارة موجودة في الأناجيل، برغم استمرار التحريف والتبديل؛ ففي إنجيل يوحنا في قول عيسى عليه السلام وهو يخاطب أصحابه: لكني أقول لكم إنه من الخير لكم أن أنطلق؛ لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي الفارقليط"، وكلمة (الفارقليط) أصلها منقول عن الكلمة اليونانية باراكلي طوس، المحرفة عن الكلمة بيركلوطوس، التي تعني محمداً أو أحمد. وفي إنجيل متى جاء: "قال لهم يسوع أما قرأتم قط في الكتب؟! الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية، من قبل الرب كان هذا، وهو عجيب في أعيننا؛ لذلك أقول لكم: إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره". وهذا معناه أن الرسالة تنتقل من بني إسرائيل إلى أمة أخرى، فيكون الرسول المبشر به من غير بني إسرائيل. والدليل أكثر جلاءً في إنجيل برنابا، وهو الإنجيل الذي استبعدته الكنيسة في عهدها القديم عام 492م بأمر من البابا جلاسيوس، وحرمت قراءته وصودر من كل مكان، لكن مكتبة البابا كانت تحتوي على هذا الكتاب، وشاء الله أن يظهر هذا الإنجيل على يد راهب لاتيني اسمه (فرامرينو)، الذي عثر على رسائل (الإبريانوس)، وفيها ذكر إنجيل برنابا يستشهد به، فدفعه حب الاستطلاع إلى البحث عن إنجيل برنابا؛ وتوصل إلى مبتغاه عندما صار أحد المقربين إلى البابا (سكتش الخامس)، وقد أسلم فرامرينو وعمل على نشر هذا الإنجيل الذي حاربته الكنيسة بين الناس. في الباب الثاني والعشرين من هذا الإنجيل – إنجيل برنابا - جاء: "وسيبقى هذا إلى أن يأتي محمد رسول الله الذي متى جاء كشف هذا الخداع للذين يؤمنون بشريعة الله". وجاء في سفر أشعيا: "إني جعلت اسمك محمداً يا محمد، يا قدوس الرب: اسمك موجود من الأبد". وجاء في سفر حبقوق: "إن الله جاء من التيمان والقدوس من جبل فاران، لقد أضاء السماء من بهاء محمد، وامتلأت الأرض من حمده". كما جاء في سفر أشعيا: "وما أعطيته لا أعطيه لغيره، أحمد يحمد الله حمداً حديثاً يأتي من أفضل الأرض؛ فتفرح به البرية، ويوحدون على كل شرف، ويعظمونه على كل رابية". ويقول البروفيسير عبد الأحد داود الآشوري مطران الموصل السابق الذي هداه الله للإسلام في كتابه "محمد في الكتاب المقدس"): "إن العبارة الشائعة عن النصارى: المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة. لم تكن هكذا، بل كانت: المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض إسلام، وللناس أحمد". وفي هذا النقل عن عالم من علماء النصارى دليل على إثبات التحريف وكيفيته.
|