إعجاز القرآن ... أفلا يؤمنون ؟ ثم إذا نظرنـا إلى المريخ -وهو أقرب كوكب إلى الأرض-، فنجد أنه يدور حول نفسه مرة واحدة كل 24 سـاعة مثل الأرض، ولكن الغلاف الجوي الذي يحيط بالمريخ يتكون أسـاسـاً من غـاز ثاني أكسيد الكربون عند ضغط منخفض جداً، ولأن المريخ أبعد عن الشمس من الأرض، فنجد أن درجة الحرارة على سطحه تصل إلى الصفر في أيام الصيف الشديد، وتهبط إلى 123 درجة مئوية تحت الصفر في أيام الشتاء. ونتيجة لهذا الانخفاض في درجات الحرارة على سطح المريخ، نجد أن المـاء المتجمع عليه في حـالة جليد دائم، ولعـل هذا هو السبب في اختفـاء أي أثـر للحياة على سطح المريخ. وقد فشلت جميع الرحلات التي ذهبت إلى المريخ -أو إلى أي كواكب أخرى من كواكب المجموعة الشمسية- في العثور على أي أثر للحياة على هذه الكواكب، فقد اختص خـالق الأرض بأسباب لم يهبها أو يهيئها سوى للأرض، بحيث تكون لديهـا هذه القدرة على احتضان الحياة عليهـا، وهذا مـا تبينه الآيــات التالية، ونبدأ أولاً بهذه للآية الكريمة: { وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ }، فقد أرسى الخـالق في هذه الأرض الكتلة والمكونات التي تنضبط بها قدرة الأرض على جذب الأشياء فوقهـا، فتنضبط عليهـا حركة البشر وجميع المخلوقات فلا تميد بهم ولا تنهـار من تحتهم، وكذلك أدى استقرار القشـرة الأرضية إلى استقرار الغلاف الجوي وضغطه الثابت واستقرار المـاء في البحـار والأنهـار، وكذلك استقرت على الأرض حياة البشر، وجعل الخالق بهذه الرواسي مـا يرسى للأرض فلكـاً ثـابتاً حول الشمس وحول نفسهـا لا تحيد عنهما، بحيث تتّزن سـرعـتهـا وبعدهـا عن الشمس، فتنضبط عليهـا درجـات الحرارة واتـزان حرارتهـا المفقودة أثناء الليل مع مـا تكتسبه من حرارة أثناء النهـار، وكذلك جعل للأرض بهذه الرواسي مجالاً مغناطيسياً يحدّد ميلاً لمحور الأرض مع محور دورانها حول الشمس، فكـان للأرض بهذا الميل فصولاً محددة كل عـام، ومسارات للسحاب والرياح وخرائط للأمطـار، ممـا أتاح للبشر الحياة المستقرة عليهـا. إن من يتدبّر هذه الكلمـات أن تميد بهم والتي تدل على أن الخـالق قد ضبط كتلة الأرض أو مـا أودعه الخـالق في الأرض من رواسي بحيث لا تميد بهم، فلا تتقلص القشرة الأرضية تحت أقدامهم كمـا يحدث في عطـارد، ولا يطيرون من فوقهـا كما يحدث على القمر ولا يلتصقون بهـا كمـا يحدث في المريخ، وتحفظ لهم غلافـاً جويـّاً حامياً بالضغط المناسب، وتحقّق لهم درجة الحرارة المناسبة لهم بحيث مكّنهم من الحياة عليهـا. وقد تحددت بهذه الرواسي وتكوينهـا الذي لا يعلمـه إلا الله، البعد المناسب عن الشمس والميل المطلوب مع محور الشمس والسرعة المطلوبة حول الشمس وحول نفسهـا، فلا يكون للأرض انحرافـات عن المعدلات المطلوبة لحياة الأحياء عليهـا. ومـاذا يحدث لو لم تكن لهـا هذه الرواسي ومـادت الأرض عن فلكهـا ومسـارهـا حول الشمس بأدنى انحراف، فزاد مثلاً بعدهـا عن الشمس بأدنى مقدار، ستتجمّد المياه والحياة كلهـا على الأرض لأن الطاقة الساقطة عليهـا تتغير بتغير مربع بعدهـا عن الشمـس، ومـاذا يحدث لو اقتربت بـقدر يسير من الشمس لا يتعدى مثلاً 1 % من بعدهـا الحالي، سيصل متوسط درجـات الحرارة على الأرض إلى مـا يزيد عن درجـة غليان المـاء -أي عن 100 درجة مئوية-، وهذا الحدّ كـافيٍ لتحول كل مياه البحار والمحيطات والأنهـار إلى بخـار أو سحب، وتتوقف الحياة على الأرض، وسيتغير أطوال الفصول ومقدار أيام السنة الشمسية، ممـا يؤدي إلى هلاك كل مـا نقوم بزراعته ونـتغذى عليه نحن وكل الأحياء، ومـاذا يحدث أيضـاً لو لم تكن في الأرض رواسي بهذا القدر المحكم فتبـاطأت سرعة الأرض حول نفسهـا فيتكرر لنـا مـا يحدث على كوكب الزهرة، فتزيد درجة حرارة الوجه المضيء وتفقد البحار ميـاهها على هذا الوجه، وتتجمد المياه في البحـار على الوجه المعتم وتتوقف الحياة عليه، وكذلك يلتصق الأحياء على الأرض كمـا يحدث على هذا الكوكب، وبنفس هذه التأثيرات لو زادت سرعة دوران الأرض حول محورهـا، فـينخفض متوسط درجـات الحرارة على الوجهين ونطير من على سطح لأرض كمـا يحدث في القمـر، ولا يبقى لنا غلاف جوي مثل عطارد. هكذا جـاءت حكمة الخـالق وعلمـه في تحديد الرواسي التي يتحدد بهـا كل شيء، فترسو حياتنـا ونرسوا على هذا الكوكب الذي أعده الخـالق ليحتضننـا عليه بكل الرحمة، فكانت للأرض هذه الرواسي، حتى لا تميد بنـا كما جاء في قول الحق { وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ }، إن الحرف 'أن' جـاء إعلانـاً بأن الخـالق أحكم كل شيء في هذا الكون، فدبّر رواسي الأرض بهذا التقدير الحكيم وبهذا العلم الدقيق حتى يكون للأرض مـا لهـا من استقرار، ورسوٍّ دون أي انحراف أو تجـاوز، فتكون مرسى لهذا الكائن الذي مهد خالقه كل شيء من أجله. ثم تستكمل الآية الكريمة في فضل الله علينـا في هذه الأرض التي يسرهـا لنـا بقوله سبحانه { وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً }، إن من يذهب إلى القمـر ولا يجد عليه سـوى فوّهـات أو على عطـارد فلا يجد عليه سـوى التجـاعيد، أو إلى الزهرة فلا يجد إلا تربة هـشّة لا يستطيع السير عليهـا، سيستشعر نعمـة الله علينـا في هذه الفجـاج التي يسّرهـا الله لنـا على الأرض كي نحيـا ونسير عليهـا، وتيسـر لنـا سـبل الزراعة والتجـارة والصنـاعة والترحـال والانتقال بسهولة ويسـر، فقد امتدت القشرة الأرضية في تمـاسـك وصـلابة واستواء وامتداد، فاتسعت رقعتهـا للغـابـات والوديان والطرق والأنهـار والبحـار والقرى والمدن، وكل مـا يبغيه البشر من سبل لحياتهم ومتاعهم ورزقهم وأنعامهم وعرباتهم وطـائراتهم. لقد يسّـر الله هذه الفجـاج ليهتدوا إلى سبل الرزق والحياة والتعارف، ثم يهتدون إلى خـالقهم ومانحهم هذه النعم وموفر لهم هذه الأرض بانبسـاطهـا وامتدادهـا وطرقهـا، وهكذا كان ختام هذه الآية بهذه الكلمـات { لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ }، أليس في هذه السبل والفجاج هداية إلى معرفة فضل الله علينا وهداية إلى الحياة على الأرض، والانتفاع بخبراتها. ثم تأتي الآية التـالية لتذكرنـا بفضل الخـالق في أن يخصنا بسمـاء تحفظنـا من فوقنـا برحمته، فنرى فضل الله في خلقهـا لنـا بهذه الكيفية. من يستعرض الكواكب من حولنـا فلا يرى لها سمـاءً حافظة ومحفوظة مثل سماء الأرض، فبها غـلاف جـوي يحمينـا من أشعة الشمس الضـارة، فيسمح هذا الغلاف بمرور مـا ينـفـعـنـا من هذه الأشعة، ويحتجز مــا يضرنـا بطبقة تسمى طبقة الأوزون، ثم اختص هذا الغلاف بنسبة عـالية من غازي الأكسيجين والنيتروجين، وكلاهمـا لا يمتصّـان أشعة الشمس، فتنفذ الأشعة النافعة من خلالهمـا لتصل أشعة الشمس إلى النبات ليختزن الطـاقة اللازمة له ولمن حوله، ثم أن وجود هذه النسبة من الأكسيجين في الهواء الجوي، تحرق أي نيازك قبل أن تصل إلى الأرض، فلا ترى هذه الفوّهـات والبثور على أرضهـا مثل باقي الكوكب التي لم يخصها الله برحمته، وفي الهواء نسبة ضئيلة من غـاز ثاني أكـسيد الكربون القـادر على امتصاص أشعة الشمس لا تتعدى جزء من الواحد بالمـائة كي يتغذى عليها النبات، ولكن لو زادت لحدث لنـا مثل ما يحدث على كوكب الزهرة الذي يـسـتحيل الحياة عليه، وقد حفظه الخالق لنا بهذا الثبات حتى نتمكن من الحياة على الأرض إلى أن يشـاء الله. ثم نجد أن غـاز الأكسيجين يؤدي أدواراً عديدة أخرى في حياتنـا، حيث يحترق به الغذاء في أجسامنـا والنار من حولنا، وكذلك غـاز النيتروجين ومـا يؤديه في حياة النبات الذي يُتَغَذَّى عليه كل هذه الأدوار تؤديهـا سمـاءً حفظهـا الخالق لنـا وحفظنـا بهـا كسقف يمنع عنـا أن يصيبنـا من فوقنـا مـا يصيب كواكب أخرى حولنــا، ويتيح لنـا الحياة عليهـا دون أن نحترق أو نختنق. هل جـاءت سماء أرضنـا، كمـا قال خـالقهـا:{ سَقْفاً مَّحْفُوظاً }، بكل هذه الخصوصيات والآيـات بدون تدبير أو تنظيم أو تقدير خـالق عـزيز عليم. كيف نعرض عن كل هذه الآيـات ولا نتدبرها حقّ التدبر؟ هكذا يعاتبنـا الخـالق بقوله سبحانه { وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ }، فالسمـاء كلّهـا آيـات على عظمة خـالقهـا ورحمته وعزته وعلمه. علينـا أن نتدبر بهـا بهذا الاستدلال المعجز الذي أرسله الخـالق إلينا في خـاتم كتبه، وهل يستطيع بشراً أن يضع لفظـاً جـامعـاً يصف هذه السمـاء، ومـا تؤديه من أدوار في حياتنـا كسقف حـافظ ومحفوظ لنـا، ولأرضنـا بأبدع وأروع من هذه الكلمـات؟ إنهـا كلمـات جاءت حقاً من خالق الأرض والسمـاء. ثم تأتي الآية التالية التي تذكّرنـا بـفضل الله وآيـاته في هذه الأشياء التي من حولنـا، في الليل والنهـار، الشمس والقمــر، كيف انتظمـت وتوافقت مع حياتنا وخلقنا وعملنا وراحتنا ودورات حياتنا وأعمـارنـا، وانتظم بهم كل شيء من حولنا. الحياة المستقرة والعمل نهاراً والنوم ليلاً ومـا يناسب أجسامنا من درجـات الحرارة وضغط الهواء. نحن لا نستطيع أن نحيا على كوكب الزهرة، الذي يصل طول اليوم فيه إلى 243 مثيله على الأرض، فتصل درجة الحرارة على سطحه إلى مئات الدرجات. إنه لا يتوافق مع حياتنـا ومع تكويننـا ومع خلقنـا. فمن سخّر كل هذه الأشياء لنـا، من سخر كل هذا التوافق والانسجام بيننا وبين كل هذه الأفلاك، من دبر للأرض وخلقهـا تدور حول نفسهـا بهذه السرعة الثابتة أمام الشمس ليأتي الليل والنهـار منسجمـاً مع بعد الأرض عن الشمس وراحة الإنسان وحرارته وحياته وسعيه. من سخر الأرض تدور حول الشمس بهذا الخضوع وهذا الثبات فيأتي هذا التعاقب للفصول بهذا الإبداع والالتزام في كل أنحاء الأرض ومع مـائهـا وهوائهـا ورمـالهـا وسحابهـا وكل شيء عليـهـا. من سخر للقمر دورته حول الأرض وأمام الشمس فيأتي هلالاً وبدراً، وتتعاقب أشكاله بهذا الإبداع والانسجام مع كل مـا خلق الله على الأرض، أنهم جميعـاً يسبّحون لخـالقهم بهذا الالتزام وهذه الطـاعة المتنـاهية والمتمثّلة في هذا الانسجام الشامل والكـامل. لقد أعلن العلمـاء أنه حتى نرى كوكبـاً آخر يمكن أن تقوم حياة عليه في هذا الكون، فيجب أن تكون له كتلة مثل كتلة الأرض وحجمـاً مثل حجم الأرض وقمراً مثل قمر الأرض، وله زاوية ميل وسرعة دوران حول نفسه وحول شمسه مثل مـا للأرض، وأن تكون له شمساً مثل شمسنا عمراً وحجماً وكتلة وإشعاعاً وأبعاداً وثباتـاً. وأن يكون لهم جميعاً نفس الأفلاك والظروف والمقادير، أي أن يسبح كل شيء بنفس هذه التسبيحات وفي نفس هذه الأفلاك. وهذا مـا تنص عليه هذه الآية في نهايتهـا { كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ }. فإنهـا سبـاحة وتسبيح بعلم خـالق عزيز وعليم وقدير ومقدّر لكل شيء بحكمته، فهـل لنا أن نسبح معهم؟
|