إعجاز القرآن ... أفلا يؤمنون ؟ -- د.سلامة عبد الهادي القرآن الكريم نور يهدي إلى الله وإلى طريقه، ولكل آية من آيـات القرآن إشعـاع خـاص بها، منه ما يهدي إلى صـراط الله المستقيم و سعـادة الدارين والاطمئنـان بهمـا، ومنـه مـا يلقى على آيــات الله في الكون، فـيـتـعمّق في أسـرارهـا بحكمة خـالقهـا، يعي منهـا المتدبّر بحسـب علمه وتخـصـصـه، ليهتدي بهـا إلى عظمـة الخـالق الذي وسع كل شيء رحمـة و علمـاً. و عندمـا يعجز العلم عن الوصول إلى تفسير كيف بدأ الخلق ومن هو القائم عليه، حتى يستمر ويسير بهذا النظام الثابت والواحد في كل شيء، وكيف ينتهي، نجد في آيـات القرآن الرد التـام والكـامل، والتي هي بمثابة إعلان من الله أنه هو الخالق والحي القيوم، والقائم على كل هذا، ودليل وبرهان على حقائق مطلقة يدركها العربي والأعجمي، تنتهي إلى الإيمان بعظمة الله وقدرته. يأتي هذا البرهان بالقول الذي يعجز عن أن يأتي بمثله من في الأرض جميعـاً ولو اجتمعوا له. وما نتطرق إليه في هذا المقال وجه واحد من أوجه الإعجاز في هذه الآيات، وهو الإعجاز الذي يراه مهندس تطبيقي. ولكن هناك الإعجاز الأدبي والبلاغي والجمالي والتضافري والتركيبي والعلمي، وأوجه أخرى يراهـا كل إنسان بحسب معارفه وتخصصه في كل آية وكلمة وحرف من هذه الآيات، دليلاً على صدق هذه الرسالة، خاتمة رسالات الله إلى خلقه و التي تتناسب مع هذا العصر و علومه. و لنـنظر إلى آيات نـقرأهـا في القرآن الكريم أو نراهـا في هذا الكون البديع و نختص في هذا المقال بآيات جاءت متعاقبة في سورة الأنبياء حيث يقول الحق: { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ.وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ.وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ.وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } [الأنبيـاء:30 ـ 33] ثم ننظر لمتابعة نفس الموضوع إلى آيـة جـاءت في نهـاية نـفس السورة لتعـبر عمـا يحدث للسماء في يـوم القـيـامة حيث يقول الحق { يَوْمَ نَطْوِي السَّمَآءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ } [الأنبياء:104] تخـاطب هذه الآيـات الكـافـرون بوحدانية الله وقدرته في كل زمـان ، فتعرض عليهم بأقوى الأسـانيد العلمية والأدلة المـرئية مـا يـؤيد دعوته إلى كل الأنبياء وإلى خـاتم المرسلين أنه لا إله إلا الله. فتبدأ الآيــات بقول الحق {أَوَلَمْ يَرَ} دليلاً على أن من له الرؤية السليمـة سـوف يصل إلى هذه الحقـائق. و قد أقـر جمهور علمـاء الطبيعـة أن خلق هذا الكـون جـاء من مـادة واحدة ملأت الكون في بدايته، وأن هذه المـادة المنتـشرة التي ملأت الكون في بـداية خلقـه، جـاءت جميعهـا من أصل واحــد ومن نبت واحد بحيث تـشابهـت في كل أركـان هذا الكون، فقد رأوا نفس الذرات والعنـاصـر والمركبات في كل أركان الأرض، بل وعلى سطح القمـر وفي المريخ والشمـس والكواكب الأخرى، وفي النجوم والمجـرات جميعهـا، فالمعـادن التي على الأرض هي نفس المعـادن التي وجدتهـا مركبات الفضـاء فوق سطح القمـر والمـريخ.. والغـازات التي تكوّن الشمس وتحيط بهـا، هي نفـس الغـازات التي نجدهـا في معـاملنـا على الأرض. وجميع الكواكب تخضع في حركتهـا إلى نفس القوانين التي تخضع لهـا الأرض وجميع النجوم تخضع في تفـاعلاتهـا إلى نفس القوانين التي تخضع لهـا الشمس ولهـا نفس مكونـاتهـا، لهذا وضع العلمـاء نـظريـاتهم عن بداية هذا الكون أن المـادة التي جـاء منهـا خلق الكون، كـانت جميعهـا مجتمعـة في حـالة انضغـاط لانهائي قبل ولادة الكون، ثم وقع على قدر تخيّلهم حدث بدأ وانتهى في لحظة واحدة، ونشأ عنه انـتـشار هذه المادة في الكون كله، وأسمَوا هذا الحدث "الانفجـار الكبير". ثم تحوّلت مـادة الكون بعـد هذا الانفجـار إلى إشـعـاع مـلأ الكون كله، ثم تحوّل الإشعاع بفعل بـرودة الكون إلى ذرات تمـاثلت جميعهـا في تكوينهـا وأشكـالهـا، ثم تجمّعت الذرات في نظـام واحد إلى نـجـوم ثم كواكب تـابعة للنجوم، وتجمعت النجوم في مجـرّات وحـارات، أي تشـابهت النجوم والكواكب والمجـرات منذ بداية الكون واتّزنت وانتظمت بجميع مكونـاتهـا على حد قولهم بفعل انفجـار كبير لم يستغرق سـوى لحظـة واحدة. لقد أصـابت النظـرية في أن مــادة الكون -كما رآها هؤلاء- نشأت جميعهـا من أصـل واحد ومن مـصـدر واحــد، لأن نـسيج الكون كـله متـشـابه في كـل شيء. ولكن إنكـار يـد الخـالق الذي دبـّـر أن يأتي هذا الكون من منشـأ واحد، ثم إرجـاع هذه النـشـأة إلى انفجـار كبـير جاء في لحظة وحدة، يمثل تعـامٍ عن الحـقـائق؛ فمـا ينـشـأ عن انفجـار كبير هو الدّمـار، وليس عمـارة الكون بهذا النظـام الكامل والوحدة الرائـعــة.. هو الفوضى، وليس اتـزان النجوم في مجراتهـا والكواكب في أفـلاكهـا منذ اللحظة الأولى .. هو الاختلاف، و ليس تـشـابه الكون في كل أركـانه وأنحـائه.. كيف يكون هذا الكمـال والاتزان والتمـاثل نتيجة لانفجار عشوائي؟ ثم مـا الذي أحدث انفجـار هذه المـادة وفي هذا الوقت القصير بحيث تملأ مـادته الكون كله على اتـســاعه بهذه الدقة المتنـاهية والتماثل التام، فينـشـأ عنه كـون متسع يـتّسم بالكمـال والجمـال والوحدة والاتـزان منذ لحظـته الأولى. إن العلم المجرد من الإيمان يقف عـاجزاً عن الرد عن هذه الاستفسارات، ولا يستطيع أحد أن يملك الرد على كل هذه الاستفـسـارات سوى خـالق هذا الكون الذي أنـشأه، وشــهد نـشــأتـه.. خـالق لم يرضَ أن يترك النـاس في حـيرة وشـك، عندمـا يدركون مـا في هذا الكون من تمـاثل أو تشابه جاء منذ بدايته دون أن يجدوا لهذا تفسـيراً، فـأرسل كتـاباً يهدي به إلى الحق والحقيقة وإلى صـراط الله المـستقيم. فجـاءت هذه الآية بالرد الحق على كل مـا رآه العلمـاء وحاولوا أن يـجدوا له سبـبـاً { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا }، أي أن وراء هذا الكمـال والوحدة والاتـزان خـالقـاً قديراً، جعل ولادة هذا الكون من نسيج واحد أو رتق واحد، ثم فصل أو فتق هذا الرتق الذي كان يجمع السماوات والأرض في حيز محدود من نسيج واحد إلى خيوط تـشابهت جميعهـا في أشكـالهـا و خـامـاتها، فجـاء هذا الفتق- بحكمته وعلمه- إلى هذه الأفلاك والأجسام والنجوم والكواكب والمجرات والحارات، التي تشابهت جميعاً في تكوينها وقوانينهـا وطاعتهـا وخاماتها ونسيجها وذراتها وعناصرها وتسبيحها. لهذا جـاء التوحيد والتمـاثل والاتزان والإبداع في كل أرجـاء الكون.. هكذا جـاءت كلمتـا (الرتق) و (الفتق) بكل المعاني التي عبّرت عن كل مـا وجده وحـار في تفسيره العلمـاء، وليردّ على من ينكروا أن وراء نظم هذا الكون وانتظامه بالمنطق والتفسير والعلم والحكمة خـالق قدير وعظيم. وهل يـتأتّى إحكام هاتان الكلمتـان لأحد سوى خـالق السماوات والأرض، خـالق الرتق ومحدث الفتق؟ إنهـا حكمة لا تتأتّى لأحــد غيره، وهذا هو الردّ المعجز على كل من ينكر فضله وآياته في عمـارة هذا الكون وفي كتابه.
|